هناك من يعتقد بأن الشمس يمكن إخفاؤها خلف إصبعه لأنه وضع إصبعه ما بين الشمس وعينيه فحجب الضوء عنهما، لماذا لا تكون الحقيقة أنه حجب عينيه عن الشمس ولم يحجب الشمس ؟ والشمس لا يمكن أن يخفيها الغربال كذلك لكن البعض يعتقد بأن ذلك ممكن، الحقيقة مثل الشمس لا يمكن إخفاؤها أو حجبها بأصابع اليدين.
هذه الحقيقة معروفة وقد قالها غيرنا منذ آلاف السنين، ولقد تذكرتها حين بعث لي أحد القراء متسائلاً عن أحقيتنا في الكتابة عن شخصيات عامة في المجتمع متسائلاً: هل هذه الكتابة مشروعة حسب قوانين الصحافة وآداب المهنة حسب تساؤله ؟ بينما أراد قارئ آخر أن يحول مجرى القضية إلى جهة بعيدة جداً قائلاً: أعتقد أن الأهم في القضية المثارة فيما يتعلق بموضوع المخالفات والإعفاء والحصانة الدبلوماسية أن نتساءل عمن سرب الرسالة التي تم تناقلها عبر البلاك بيري والبريد الإلكتروني قبل أن نتساءل عن أحقية البعض في المطالبة بإلغاء المخالفات عنهم ؟
أحياناً يتفنن البعض في التخلص من المسؤولية العامة والحرج الاجتماعي بتحويل الأنظار يساراً إذا كانت القضية جهة اليمين، وبدل أن نجعل الناس تناقش قضاياها بوعي وتذهب إلى الشخص المعني مباشرة لتسائله أو تسأله فإن البعض ولأغراض معروفة يحولون الموضوع أو يضيعونه أو يفقدونه حيويته بأكثر من طريقة وتحويل الأنظار عن الموضوع الأساسي واحدة من هذه الطرق الكثيرة ! فبالله عليكم أيهما أكثر أهمية الرسالة أم البريد ؟ البيضة أم الدجاجة ؟ والجريدة أم المطبعة؟؟
الخلاف حول جنس الملائكة فيما إذا كانوا ذكوراً أم إناثاً جعل الفلاسفة وأهل روما ينغمسون في جدالات وحوارات فلسفية عقيمة لم تنقذ روما من الخطر حين حل هذا الخطر وأحاط بالمدينة، فالفلسفة ليست في أن نتناقش بهدف المناقشة لكن لكي نصل إلى نتيجة، الحوار ليس هدفاً، بل هو وسيلة متطورة ومتحضرة لبلوغ هدف أكثر تحضراً وهو الوصول إلى قناعة أو اعتراف أو حقيقة تنعكس إيجاباً على مسيرة التطور والحقوق والحريات.
إن الله عز وجل حين أراد خلق آدم واستخلافه على الأرض حاور الملائكة وقال لهم “إني جاعل في الأرض خليفة فقالوا له .....” ثم قال لهم ... وهكذا، في حوار رباني عظيم ورد تفصيله كاملاً لمن أراد في سورة البقرة، من دون أن يعني ذلك مساساً بذات الخالق عز وجل.
فلماذا يعتقد البعض أن الحوار حول خطأ ارتكبه البعض يعد مساساً بمفهوم الشخصية العامة ؟ ألا تخطئ الشخصية العامة ؟ ألا يمكن أن يفهم سلوكها بشكل خاطئ ؟ ألا تقع في سوء الفهم والتقدير ؟ ألا يحق لها ما يحق لغيرها من المطالب والتجاوزات وتوضيح الموقف ؟ كل ذلك وارد لكنه لا يتحقق إلا عبر نافذة وحيدة وواحدة لا بديل عنها: الحوار والنقاش والسماح لأكبر قدر من الضوء بالدخول إلى مساحات العقل لإنارته بنور الحقيقة .
لا أحد يملك الحقيقة كاملة، إن ما أعرفه أنا يكتمل بما تعرفه أنت، ويظل هناك نقص يكتمل بما يعرفه شخص ثالث ولكي تكتمل الحقيقة لابد أن نتحاور في فضاء حر وآمن لكي تلتئم جزيئات الحقيقة لتظلنا جميعاً من دون خوف أو مصادرة لحق المعرفة لصالح طرف لأنه شخص مهم، وحرمان طرف لأنه غير مهم أو لأنه لا يعرف شيئاً، فلا أحد في هذه الحياة لا يعرف شيئاً حتى الطفل الصغير يعرف أكثر مما نتوقع، فقط لنمنحه هذا الحق ولنتنازل عن عنجهية احتكار المعرفة ولو لبعض الوقت.

عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com