مساء أمس الأول كنت ضمن حضور غصّت به قاعة المحاضرات بالمركز الثقافي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، والذين جاؤوا للاستماع والاقتراب من موضوع المحاضرة التي كانت بعنوان “دور الإعلام في بناء الدولة ، الإمارات العربية المتحدة أنموذجاً” والتي ألقاها البروفيسور علي شمو، وهو من هو! فقد حلق بنا الرجل بمعلوماته الغزيرة وذاكرته المتقدة في دروب تلك المراحل المبكرة من قيام الدولة التي استعانت بأمثاله من الكفاءات العربية لبناء أحد أهم صروح الدولة، وهو الإعلام الذي أسهم إسهاماً متميزا في ترجمة رؤية القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، في تلك الحقبة المفصلية من بناء الدولة الاتحادية، ونشر وتكريس مفاهيم المواطنة، وقيم الولاء والانتماء للدولة الوليدة.
وقد أسعدني الوجود الكثيف لطلاب وطالبات الإعلام في جامعة الإمارات، الذين جاؤوا للاستماع للرجل الذي يدرسون كتبه، وهو يحدثهم عن البدايات الصعبة لنشر الرسالة والمحتوى الإعلامي للدولة الوليدة في وقت لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة قد ظهرت، وطرق المواصلات العصرية لم تُشق ولم تبرز، وموجات البث الإذاعي المحدود لا تصل إلى المواطنين عند رؤوس الجبال في الفجيرة، أو في بدع ومحاضر ليوا. وأشار الرجل إلى دور”الاتحاد” الصحيفة التي نعتز ونتشرف بالانتماء إليها في التعبير عن رؤى القائد المؤسس، الذي أسبغ عليها الاسم الذي تحمل، وتعبر عن طموحاته وتوجهاته في وضع قواعد الصرح الشامخ لاتحاد إماراتنا. واستعدتُ تلك اللحظات الأولى، وقد كنا صغاراً نشعر بالرهبة عند المرور من أمام مبنى وزارة الإعلام والصحيفة في تلك الشقق المتواضعة على شارع المطار مقابل مسجد زايد الأول، أو أمام البناية المتواضعة التي حوت تلفزيون أبوظبي في شارع حمدان. وفي تلك المرحلة الصعبة التي ولدت فيها الدولة، أرست نهجاً ما زال يطبع الأداء الإعلامي في الدولة، وهو نهج يقوم على التعبير عن إنجازات الوطن، وتعزيز المواطنة والانتماء، وفي الوقت ذاته يحترم تجارب الدول الأخرى في التنمية، ويعمل على نبذ الخصومات، ولمّ الشمل، وتوطيد العلاقات بالآخرين واحترام خياراتهم.
ومن البدايات الصعبة والمتواضعة، التي كان يتحدث الرجل الذي عاصرها وكان جزءاً منها، شاء القدر أن تكون محاضرته غداة إطلاق أبوظبي أضخم قمر اصطناعي في العالم، فالقمر”الياه سات1A” الذي يزن نحو ستة أطنان يعد الأول من نوعه الذي يخدم الجانبين العسكري والتجاري، ويوفر مجموعة من خدمات الأقمار الاصطناعية المتنوعة، منها خدمة البث التلفزيوني المباشر إلى المنازل، ودعم خدمات الاتصالات بتطبيقات متعددة، مثل شبكات البيانات للشركات، وربط الإنترنت والهواتف الخليوية، وسيغطي أوروبا، وأفريقيا، وجنوب غرب آسيا، والشرق الأوسط. والأهم أن بناءه تم بمشاركة فريق هندسي من أبناء الإمارات، ويدار من غرفة عمليات أغلبية العاملين فيها شباب إماراتيون مؤهلون، في صورة تختزل ملحمة بناء إنسان الإمارات منذ البدايات الصعبة إلى آفاق الفضاء الرحب، نحيي معها أولئك الرجال من أولي العزم والبذل، ونقول: إعلامنا.. قمرنا فخرنا.


ali.alamodi@admedia.ae