في دورينا، هناك أمور لا تحدث إلا عندنا، وحتى لو حدثت عند غيرنا، فلا يمكن أن تشبهنا، فهناك- وأقصد بهناك الأندية في أوروبا على سبيل المثال- لديهم منطقهم العملي ولديهم لغتهم التي لا تعرف العاطفة، وكل طرف ملتزم بما له وما عليه، دون أن يتجاوز حدوده التي من المفروض أنه يحفظها. أما هنا، فكل شيء «مسموح»، والسطو على أدوار الآخر وارد، ولذا، لعل المنطقة العربية والخليجية بالذات، هي المكان الوحيد الذي من الممكن أن يسأل فيه إعلامي مدرباً عن المسؤول «الفُلاني» الذي يتدخل في وضع التشكيلة والخطة، وما مدى صحة ذلك، ومن الممكن أن ننفرد أيضاً بأننا من يسأل اللاعب عن رأيه في الخطة التي لعب بها المدرب المباراة، ونطلب من اللاعب تقييم مسيرة المدرب، والغريب أن هذا التساؤل «الغريب» بات من متلازماتنا الإعلامية، ومن أبجديات الحوارات، ولا يجد اللاعب - إلا ما ندر- حرجاً في أن يجيب وقد اعتدل في جلسته، موضحاً أسباب رضاه أو عدم رضاه عن المدرب، وحتى من يرفضون الإجابة تراهم يوحون إليك بموقفهم، فتراه يقول «لا تعليق» وهو «زعلان» في إشارة إلى أن السوء لا يمكن احتماله. وفي الأيام الأخيرة، زادت نبرة حديث اللاعبين عن مدربيهم، خاصة من رحلوا، فتجد اللاعب يتحدث عن فترة المدرب «المقال» وكأن الأخير كان يعذب اللاعبين ويكويهم بالنار، ويذيقهم شتى أنواع المرار، وترى اللاعب يحدثك عن الطفرة التي أعقبت رحيل المدرب، وكيف أن القادم، تمكن بعصاه السحرية من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وإنقاذ السفينة من الغرق. أعتقد ويتفق معي الكثيرون أن هذا الكلام مرفوض من أي لاعب، مهما بلغ حجمه ووزنه، والسبب ببساطة في اختلاف المهنة، فاللاعب لا يعلم شيئاً عن التدريب، ومن غير اللائق أن يقيّم التلميذ أستاذه، لمجرد أنه استمع إلى كلمتين في برنامج أو أجاد حركتين من «تدريب البطن»، ولابد أن يدرك اللاعب أنه ليس معنياً على الإطلاق بالحديث عن مدربه، وأنه حتى إن كانت لديه شكوى فليقدمها للإدارة في إطار من الاحترام. ولا أعفي الإدارة من المسؤولية. فهي شريكة فيما يحدث من اللاعبين، لأنها أحياناً ما تستبيح مدربها أولاً، سواء باستقالته أو إقالته، وهو ما يراه البقية إيذاناً بالبدء في مسلسل الذم و« السب»، و«ركوب الموجة»، وبدلاً من أن تقول الإدارة للاعبها «خلك في حالك» وفي عملك، ولا تتدخل فيما لا يعنيك، تغض الطرف عن تصريحات تصدر من هنا ومن هناك، وربما تبتسم ابتسامة رضا تغري اللاعب بالمزيد، والبقية بالمشاركة في المسلسل. أول طريق الاحتراف أن يعرف كل منا واجباته وحقوقه، ومن هذه الواجبات ألا يتجاوز حدود عمله، واللاعب لا يتكلم إلا في عطائه وأهدافه وانطباعته، وليس من شأنه الحديث عن المدرب وتقييم عمله، لأنه حين يفعل ذلك، يخسر الكثير من أسهمه، وحين يتقلب بين المدربين، يمتدح هذا وينتقد ذاك، يفقد حتى الكثير من رصيده لدى الجماهير، ومن يدري، ربما يشهد الغد، تولي نفس المدرب الذي رحل المسؤولية من جديد، وساعتها لن يصدق أحد ما يردده نفس اللاعب، فالناس لا تنسى حتى وإن تناست. كلمة أخيرة: الكرة ليست فقط فنيات وتكتيكات، لكنها أيضاً سلوك، وأهم سلوك فيها أن يلتزم كل فرد بدوره، ولا يدعي معرفته بكل الأدوار. mohamed.albade@admedia.ae