تعد مقاطعة «ميلبا ألتا» من أفقر المناطق المكسيكية على الإطلاق، إذ يعيش نصف سكانها تحت خط الفقر؛ ورغم ذلك فهي من المناطق التي تسجل أدنى نسبة هجرة إلى الولايات المتحدة خلافاً لما هو معروف في غيرها من المدن المكسيكية! ولمن لا يعرف، فالشبكات الأسرية في المجتمع المكسيكي ممتدة ومترابطة بعكس ما هو متعارف عليه في العالم الغربي؛ وتحظى العلاقات الاجتماعية المتينة المنسوجة بتماسك بين الأفراد بأولوية لديه، مما جعل الناس يتخطون الكثير من ظروف البيئة الصعبة المحيطة بهم، وهي العلاقات التي تبدو جلية جداً عند النظر إلى عدد الاحتفالات التي تحتضنها المدينة بما يفوق 700 مناسبة ممتدة طوال العام، وتمارس فيها تقاليد الأكل الجماعي. الطعام الجماعي أحد أكثر العادات الإنسانية التي يتشارك فيها كل البشر على وجه الأرض، وهي العادة التي تتكرر في كل المناسبات تقريباً سواء كانت فرحاً أو حزناً، كما أن ما يدور حوله من أحاديث فرح وضحكات وهموم ومواساة، إنما هي أفعال تُمتن الأواصر وتزيد من حالات التوافق بين المجتمعين، وتقلل من حالات النزاع أو الصد. هذه الأفعال وغيرها والتي تتكرر باستمرار بحكم عدد الاحتفالات والمناسبات الجماعية، حدت من هجرة شباب «ميلبا ألتا» المرتبطين بتلك الفعاليات والطقوس الجماعية وقوت من ولاءات الناس بالمكان وبمن فيه. لا ترتبط تلك العادات إطلاقاً بكميات الطعام التي يجب أن يجتمع الناس حولها، إذ دائماً هناك الوفير من الطعام، فالجميع يتشارك ويصبح جزءاً رئيساً من هذه الأحداث، لا ضيفا فقط، وفي هذا نوع من التكافل الاجتماعي، الجميع يصنع ما في استطاعته، ولكن يصنعه بحب ورغبة في أن يترك ذكرى في الآخرين. ذكرى تجعلهم يحنون إلى تلك الجلسة التي جمعتهم بما كان فيها من طعام وشراب. صحيح أن الغذاء يدعم قدرتنا على البقاء على قيد الحياة، غير أنه يدعم أساساً إحساسنا بالحياة وبجمالها وجمال من فيها، والامتنان لنعم الواهب التي لا تحصى.