أي كان نوعها، تغادر الغمامة سريعا إلى غير رجعة، ومن عادة الريح انها تطرد ما يتلبد في الجو وتغسل الفضاء وتلمّع زرقته ليعود صافيا بعد تعكير. وبعض البشر تضجر نفوسهم ان دام الصفو طويلا، فترى احدهم يشتاق للغيمة حتى لو اهلك ماءها الاعشاش، وآخر ربما يطربه صوت الرعد بعد ان ملّ من نواح الناي. هكذا يراقب الحكيم حالة الجو ومنها يفهم حال الناس. وفي الليل، حين يهجع الجميع الى مضاجعهم واحلامهم، يخرج ساهرا تحت ضوء القمر ويكتشف ان البشر ينحصرون في ثلاثة. الاول: عاشق الظلام الذي ينتظر غياب القمر نهاية كل شهر ليخرج متخفيا بالعتمة وينثر بذوره السمّية في الارض ويعكر مياهها العذبة ويمنع التحام الجذور لكي لا تكبر الامم، ولكي تتحول المصافحات الى خصام. وقد يكون الظلامي هذا جارك الذي طالما مددت له يد المسامحة لكنه لا يراها لان الظلمة تكون قد اعمت قلبه ولسانه وفعله، وصار لا ينفع معه سوى انتظار ان يبزغ النور يوما في ارضه لتتنفس الاشجار من جديد. الثاني: عاشق الهلال الذي تسحره ساعة الانبلاج حين يشق قوس النور الصغير صرامة العتمة العظيمة ويجرح جبروتها وتكبرها. ومثل هؤلاء كثر بيننا، لكنهم يسكنون في المنطقة الوسط التي تكتفي بالتماعة البريق من بعيد، ويشبعها التعرف على نصف الحقيقة، ويكفيها ضمان الرؤية حتى لو كانت غابشة قليلا. لكن الهلال، اياً كان حجمه، يظل مقضوما، ناقصا اللمسة الاخيرة التي بدونها لا يكون الطعم حلوا. الثالث: هم القلة الذين لا يقبلون سوى بالكمال يتجلى في اكتمال القمر بدرا مشعا يضيء الكون كله، هم الذين يكدّون منذ الفجر في حراثة النور لجعله بيتا وسكنا. ينحازون للكلمة الصادقة مهما كان وقعها قويا في مسمع الجبناء، ويحتكمون الى الحب والوضوح، مفتوحة قلوبهم لاستقبال القادمين من كل الجهات ما دامت نواياهم بيضاء. وهؤلاء هم من يؤثثون الحياة لجعلها عرسا دائما، يعلقون الفوانيس على ابواب الصبر ويزيحون صخور الكآبة من فوق النبع كي تعود المياه الصافية لتتدفق في العروق والعقول. والبدر، مهما قصرت مدته، يتحول الى رمز في قلوب هؤلاء، ويظل مكتملا حتى في احلك الساعات. ترتفع نار الضغينة في قلوب الضعفاء ويبدأ شرارها بالتشظي في كل الجهات. لكن اياً كان حجمها، فان للنار من يكويها بالماء، وللضغينة من يحاصرها كي لا ينتشر هواؤها الفاسد ويعكر ضحكات الابرياء الذين يفرحهم منظر الفراشة وهي تتراقص في الهواء النقي متنقلة من زهرة الى اخرى ومن قلب محب لآخر. والحكيم الذي يصارع كي ينتمي للمعنى، يحزن كثيرا كلما ارتفع العناد وصار نغمة نشاز تعكر لحن الامل. امد ذراعي في الظلام لأنقذ زهرة الحب امد يدي عاليا في الهواء لاقطف القمر في الارض متسع للجميع وانا بانتظارك قبل الجميع وفي قلبي ماء وهواء وشجر akhozam@yahoo.com