صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حقيبة.. وتذكرة سفر!

هناك أشخاص تلتقيهم صدفة هنا أو هناك، تجمعك معهم مدن أو مطاعم، أماكن صغيرة وحميمية، يذهبون بسرعة، مثلما التقيتهم، لكن ظلالهم تظل باقية، يقرعون بوابة الذاكرة متى ما يشاءون، ويحضرون متى ما تسمح الذاكرة. - شاب هندي يزهو بالبدلة المقصبة في البهو الفندقي، تبدو أنها تثقل كاهله، وتتعب حلمه، ولا يقدر أن يلبس مثلها في الحياة، لذا يحب كثيراً أن يبقى عائشاً فيها حتى يخفت الليل، ويستر الظلام الأشياء. - عائلة أوروبية تشعر أن الصيف لا يفارق حياتها هنا•• وأنها لا تعرف الشكوى، وكأن لا مشاكل تصادفها ولا ضغوطات تشعر بها، حياتها واضحة: بحر جميل تستمتع به، متاجر رخيصة تشتري منها، حدائق وكورنيش تستفيد من إمكانياته، ومطاعم وفنادق ترحب بهم، والحياة في الآخر عندهم إيزي.. فري.. إيزي. - خان يمشي على الرصيف والهواء بحري يلاعب ملابسه الفضفاضة، ولا مهتم بعائلة أوروبية صيفية أو بمشاكل فلسطينية، بصراحة ولا داري عن الفلبينية أسيرة حجمها وهي تمر من تحته، ولا بالذي يباع في الجمعية، ذاهب في فضاء الأسرة البعيدة والجبال البعيدة وغير معترف بكل هذه المدينة وبهرجتها. - عربية موضة قديمة..لا زالت تتعامل مع المدينة الحديثة بملابس نايلون، أحمر وأخضر، يمكن أن تعكر صفو اليوم وهدوء المكان، بلون ذهبي يشع، وباروكة لا تناسب لون البشرة وماكياج وطلاء صناعة الصين أو سنغافورة المقلدة المهربة. - بناية هزيلة وقديمة لم تنم منذ نهاية السبعين، تبدو وسط قريناتها، وكأنها ابنة الخدامة، مكيفاتها بو”طنّ وربع” والتي تحتل نوافذ واجهتها، غدت كندوب في وجهها، سكانها تشعر برطوبتهم وبلل القطن في مفارشهم، الأسلاك الكهربائية الرصاصية تتسلق الجدران، ومازالت فيها مراوح تدور، لن تتخيل لو دخلتها.. هي ببساطة تشبه مخزناً قديماً تركه أهله منذ زمن بعيد، أو هي بصراحة بقعة زيت تلوث ثوب المدينة الأبيض. - صينية حتما تضحك على أميركي، لكن الأميركي مبسوط والصينية هاهي تدخل عمرها في البسط، يبدو أنه مشروع زواج اجتماعي لا سياسي وسينجح خاصة تلك الحميمية التي تظهرها هي بحيث لا تقول كلمة إلا وتلمس يديه أو جبينه أو شعره أو تربت على ركبتيه، هي مسألة غير بعيدة، تجعل من الأميركي موافقاً على الدوام، فالصينية يبدو وكأنه آخر أمل لها في الحياة، إذا لم تنجح هذه المرة فستعود إلى قريتها البعيدة وأهلها المعذبين في الحياة، وستظل تبتاع أشياءها بعملتهم الرخيصة التي لا تأتي إلا بما هو متوفر وفاسد في الجمعيات التعاونية، وهو الذي بدأ الصلع يحفر في مؤخرة رأسه، إن لم يعملها اليوم، فلن يكون له نسل يتبع ذكره، ويحافظ على اسمه، وهو أمر قد لا يعنيه كثيراً!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء