لو كنت تسير في الطريق آمناً حالماً، يأتيك من يزلزل سكونك، ويشيع في نفسك الرعب، يضرب مرآتك بأضواء حمقاء متوترة، يريد أن يقتحم الشارع من تحت ومن فوق سيارتك، وعندما تحاول تفادي جنونه يقترب منك أكثر فأكثر، وكأنه يريد أن يغتصب المكان والزمان في لحظة تعالٍ فجّة، وقميئة.
وبعد اللحظات المباغتة، تكون أنت قد رميت نفسك في حارة بعيدة، وكأن الريح قذفت بك، أو أن يداً شيطانية اختطفتك لترديك في المكان النائي، حتى لا يلتهمك حوت الطرقات، ويجعلك كعصف مأكول.
جنون الشوارع هو جنون العظمة الذي يطوق أعناق بعض العتاة والمتمردين على قوانين المرور، ونواميس الطبيعة. تشعر بألم عندما تتأمل هذه الظواهر التي اقتحمت مشاعر الناس، وحوّلتهم إلى ضوار، ولا تخشى لومة لائم في ارتكاب الفظائع من السلوك المرتد عن قيم الإنسان النبيلة، التي وضعها الله في ضمير الناس جميعاً. لماذا يا ترى كل هذا الجنون والمجون، لماذا كل هذا الأفيون الذي خدر، وبذر، وكسر، وأسرف في تبديد المشاعر، وتمزيق الخواطر، وحرق القيم حتى أصبحت كأخشاب تلتهب فيها النيران، فلا توازن، ولا اتزان في استخدام الطريق، وكل فرد من هؤلاء يعتقد أن الشارع غرفة صغيرة في بيته الذي يملكه ولا يشاركه فيه أحد. لماذا كل هذا التورم الأنوي، الذي جعل كل فرد يفكر أن الشارع حلبة مصارعة حرة، يقوم فيها المصارع بفرد عضلاته، ليبين للناس أنه الأقوى والأجدر في كسب المبارزة. لماذا كل هذا التدفق الوجداني الأشبه بالمياه الضحلة، تتسرب في الأماكن التي يعيش فيها الأبرياء، فتقتحم حياتهم بقوة، وتصيبهم بالفزع والموت. طبعاً لو استوقفت أحدهم، فسوف يرد بصلف وعناد، ويقول أنا حر! ولا أعلم من أين جاءت هذه الجرأة للناس، ليفكر كل منهم بأن الحرية هي أن تفعل ما تشاء، في أي وقت تشاء، وأينما تشاء. حرية مشوبة بالفوضى والعبثية والعدمية، وخراب الضمير، وضياع الفطنة، وتيه في غايات لا معنى لها غير أن كل من يفكر بهكذا سلوك، فهو كائن عدواني، لا مبال، ولا تعنيه أرواح الناس، ولا النظام المروري، ولا سمعة البلد، ولا أمانها، ولا الثروة البشرية التي تفقدها ليل نهار على أيدي سفهاء بلغوا حد التفاهة، ووصلوا إلى ذروة الجهل، وتجاهلوا كل هذه المعاني الطبية التي تمتاز بها بلادنا دون سائر البلدان في العالم.
الصحراء علّمتنا قيم التصالح مع الذات وعدم التعالي، والبحر لقّننا دروس الحب، والصرامة في التعامل مع الأشياء، فلا تفريط ولا إفراط. فأين هؤلاء من هذه الأيقونة الجميلة التي علّقتها تضاريس بلادنا في مرايا قلوبنا؟ أين هؤلاء من شيم الأولين الذين يتداعون تسامحاً، وتعاوناً مع الآخر، ولا تغمض لهم عيون، ولا يهدأ لهم خاطر، طالما تعثرت ناقة لجار، أو شكا طفل لقريب؟.