يد تطوح في الفراغ، وردة منسية على الطاولة، طائر يعدو في الطرقات، ضربات على الباب ولكن لا أحد يقف خارج العتبة، ولا ذراع يقتلع النوافذ. ريح في الخارج تعوي وذئب يهرب من قطط الشوارع، وحده يسير متعكزاً على رجل من ذهب وأخرى من فضة. حنجرة تغني ولكن لا يسمعها أحد، وحده يتبع النشيج. أعرفه من زمن بعيد عندما كانت مقاهي الشارقة تبعث الدخان إلى السماء سحابة زرقاء، يأتي مع الأصدقاء أو بدونهم مثل قصيدة شاعر لا يجيد التصفيق، أهداني إصداره الأخير “لا أحد” الصادر عن مشروع “قلم”، كتاب جميل طبع بعناية وجاءت القصائد لتعبر عن ما عرفناه عنه شاعر يؤرقه البعد الإنساني ويثير شجونه ما تعانيه الذات وصراعها مع اليومي من عذابات الحياة. “لا أحد يطرق الباب لا كلمة واحدة تعبر أنا رجل وحيد لا أعرف الحب لا أعرف الكراهية الوردة منسية على الطاولة والمطر بعيداً يهطل”. حداثي في شعره جميل في قصائده يختلف كثيراً عن السائد في شعر الشباب الحداثي، حيث أنه صاحب وجع ذاتي وألم داخلي يفيض كثيراً فيخرج من القصيد على شكل زفرات حارقة لذاته والأبواب والحدائق والليل، ثم يسري متكئاً على رجل ذهبية. سمعته يقول يوماً وهو يرتب الحياة ويصف شاعر جميل حيث يقول: أنا... “هو هو وجهة نزل مهجور عيناه مرافئ يداه مجاديف وروحه قبر هذا عبدالله عبدالوهاب الذي أعرفه الذي لا أعرفه”. بالأمس التقيت الشاعر الصديق هذا، شارك في الحوار الدائر حول الثقافة والمسرح بروح الشاعر المتجدد والمثقف الجميل تظهر في قصائده كثيراً ذاكرة الموت، ليس لشيء سواء إن تقترب من الموت لتوهب لك الحياة، حيث نجد في قصائده نظرة حزينة للحياة، ولكن لديه طرقاً مستمراً على الأبواب المغلقة للانفراج نحو الفضاء البعيد والحلم الذي يأتي ولا يأتي، هو واقعي في التعبير عن دواخله، لا يوارب ويتصنع القصيدة التي تبحث عن التصفيق، شاعر يسوق الكلمات بتلقائية لتخرج القصيدة فيما بعد صادقة وحقيقية. إبراهيم مبارك ibrahim_mabarak@hotmail.com