الوعي بقيمة الإنسان ككائن يستحق الحياة يختصر الكثير من شوائب وعواقب ونواكب الزلل التي هي في مجملها الانتحار الحقيقي للإنسانية، ولا يتشكل الوعي إلا بإرادة الإنسان لاقتحام أصول وفصول الثقافة التي منها تنهض الروح وتتخلص من مشاعر العدمية.. اليوم تخوض البشرية حرباً شعواء ضد إرهاب الإنسان للإنسان، هذه الحرب لم تُؤت أُكلها، لأن الأدوات المستخدمة لم تزل بدائية وعشوائية وغوغائية.. الأمر الذي يفرض على البشرية أن تعي دورها الإنساني تجاه الإنسان وأن تتقدم بخطوات إيجابية تجاه وعي ثقافي يغير من سلوك الإنسان ومشاعره تجاه الآخرين. فقد دأبت البشرية في عصر التاريخ الحضاري على مواجهة العدوان بعدوان أشد فتكاً ما أجج الروح العدوانية وزاد من سعارها وأوارها وما أطاح بكل القيم الروحية والحضارية وجعل الحوار مجرد سجال حديدي يفتك بالأخضر واليابس.. اليوم نحن بحاجة ماسة إلى نهج تعليمي يغير من الفهم التقليدي للعلاقة بين الإنسان والإنسان ونحن بحاجة إلى تنشئة جديدة لجيل يحتاج إلى الاقتراب منه والتعلم من مفاهيمه البسيطة ليستفاد منها في التعامل معه، ونحن بحاجة إلى رجل دين يتخلص من القومية والقداسة المزعومة لينزل إلى الناس يتقصى حاجاتهم النفسية ويتهجى حروف الذات المأزومة ليمنحها الفسحة السانحة للاندماج مع الآخر دون تشوهات ودون تأوهات ودون خطوط حمراء تفصل هذا اللون عن ذاك أو تحجز هذا العرق عن ذاك أو تمنع من تواصل هذا الدين من ذاك، نحن نحتاج إلى قدرات فائقة تعيد إلينا التوازن بعد عقود من انفصال الكل عن المحيط الخارجي، لكي نرى أنفسنا من خلال الآخر لا من خلال أنفسنا ولكي نتواصل ونتعامل مع الآخر على أنه الجزء المكمل لذواتنا وأنه الذراع التي من خلالها نهش بها على أوهامنا وما غشى عيوننا من ضباب وسراب وخراب. نحن بحاجة إلى لحظة وعي حقيقي نستعيد بها ذواتنا المسلوبة ونفوسنا المغلوبة وقيمنا المقلوبة ونضع الدين الحقيقي نبراساً لنا في توجهنا نحو الآخر.. الآخر الذي نريده نداً لا خصماً ومتوازياً لا متقاطعاً، متساوياً لا متوارياً.. الآخر وهو العنصر الأساسي في صراعنا مع النفس لا بد أن نضع صورته كما هي، لا كما نتوهم ولا كما نتخيل ولا كما نريد. الآخر الذي نريد أن نتوجه إليه يجب ألا نصنعه من وهم بل نصيغه من علم وفهم بأنه لا بد من الفروق الفردية، لكن الفروق التي تكمل درجات السلم الحضاري لا الفروق التي تقصم ظهر الحقيقة وتبيد الواقع الإنساني وتحوله إلى غابة تهيم فيها الضواري وما فعل القسورة بحمر الوحش.. نريدها هبة إنسانية ضد التخلف العقائدي وضد العدوان على من كرمه الله على خلقه