صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

نقليات المتنبئ.. وحفريات المعرّي!

لم أكن أتوقع أن أصادف في الطريق شاحنة مكتوبا عليها “نقليات المتنبئ” أو “المتنبئ لترحيل الأثاث”، حتى فاجأتني مرة سيارة بمثل ذلك، فبهت، وأنا بين الضحك والدهشة، وتداعيات الأمور، فالمتنبئ لقب طغى على الاسم، وكان يومها القصد منه المذمة والنقيصة من الآخر، فصيّره الشاعر إلى الـ”كامل” كنت أتوقع أن أرى مكتبة المتنبئ، شارع المتنبئ، مدرسة المتنبئ، أما “المتنبئ لبيع الأثاث المستعمل” أو “المتنبئ للبلاط والأعمال الخرسانية” فهي كمن يسمى محال النظارات باسم الجاحظ أو طه حسين أو المعري للحفريات وأعمال التنقيب، فليس دائماً إذا ما اجتمع الضدان، أظهر حسنه الضد! لقد ظل المتنبئ دائماً وأبداً، وفي كل العصور والأمكنة، مالئاً الدنيا وشاغلاً الناس، فإطلاق اسم المتنبئ على شارع في بغداد، كان في محله، لأنه حلّ مكان الوارقين والخطاطين، وأصبح عاجاً بدور النشر والمكتبات والمطابع، وهذا أمر محمود، ويرضي غرور المتنبئ في قبره، لكنه بالتأكيد لن يرضى عن شارع المتنبئ في بيروت، حيث كان لسنوات غير بعيدة معقلاً لبائعات الهوى، وجالبات المسرّة! ولأن الشيء بالشيء يذكر، تعرفون أهل بلاد البنغال أو “بنغال ديش” بالأوردو، لهم أسماء رنّانة، ولها صدى من الماضي التليد، ومن الشعوب الراقية والعاملة التي أهدت للإنسانية جمعاء أهم العلماء والمخترعين والمبرزين في الحياة، ونذكر بعضهم وهم كثر في عجالة، مكتشف عمليات الليزك، مؤسس موقع الـ”يو تيوب” مخترع معدن الطائرة الحربية، أفضل تقنيات الصوتيات وسماعاتها تعود لـ”بوز” البنغالي، مهندس البناء الحديث والعمارات الشاهقة، رائد عملية أطفال الأنابيب، جميعهم بنغاليون، نعود لحديثنا فأهل البنغال يتسمون بأسماء عربية ومركبة، كمصعب بن عمير، وجعفر الطيّار، وعمر بن عبد العزيز، وهكذا، المهم أحد هؤلاء البنغاليين فتح محلاً منذ زمان في الصناعية للحدادة والصبغ واللحام بالأوكسجين، وكتب على محله “محلات هارون الرشيد للحدادة واللحام” وفي يوم قادت الخطى واحدا من “شوابنا” الذين على فطرتهم وتعليمه على “قده” إلى محال “هارون الرشيد” لعمل شبك حديد، واتفقوا، إلى أن تنبه الشيبة لاسم المحل، وحاول ينصح أولاً، ولم يفهم البنغالي، حتى وصل الحد لفسخ الاتفاق، وحين استغرب البنغالي من طبع الشيبة، قال له:”شو فيه أرباب.. في مشكلة” فرد عليه الشيبة:” أنت ما تخاف الله؟ تسمى محلك للحديد واللحام باسم واحد من الصحابة” فرد عليه البنغالي:” أرباب هذا اسم مال أنا، شو يقول أنت؟” فرد الشيبة: “خل عنك يا البنغالي، قال هذا اسمه قال، الله بيحافيك، أنت ما تفهم؟ ودّر عنك هالاسم، وسمّ دكانك جان تبا الرزق أييك على اسم حد من أهلك”!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء