في معرض الكتاب يتجلى للمرء عظمة الأفكار التي حملتها كتب وقفت متألقة ومتعلقة على شبابيك العلم وجاء البائعون كل باجتهاده مسلطا صوته الخافت والجهوري في محاولات دؤوبة لاحتواء القارئ وضمه في ثنايا إبداعات المفكرين. وعلى خلاف الكثيرين تناشدني الأفكار الرومانسية في ساعات الصباح الوسطي حيث يطيب للإنسان سماع زقزقة العصافير واحتساء فنجان من القهوة والخلوة بخير جليس. وما أن هممت لفعل ذلك حتى جاءت فرق من الأطفال وكأنها تتدرب للجري ودخول مسابقات العدو في الألعاب الأولمبية، ففسحت لها الطريق ثم هجرت الأفكار الرومانسية الحالمة وصرت أرقب ما الذي يصبو إليه طفل لم يتجاوز العاشرة! وجاء إلى “الصندقة” التي كنت أتصفح بعض الكتب طالبان يبدو أنهما في الصف الخامس وصارا يهمسان ويضحكان حتى تجرأ أحدهما فحمل الكتاب الذي دار محور تصرفهما عليه وكان عنوانه “أسس وأساليب التنويم المغناطيسي” فقال الشجاع لصاحبه: والله هالكتاب “طر” (أى رائع)، تخيل المدرس والا امك راقدة جية وتعطيك أو تسوي لك اللي تباه؟! وأدرك صاحبه مدى اهتمامي بحوارهما فاقتحمته الشجاعة “عنوة” وسأل البائع: بكم هالكتاب؟ لم ينظر إليه هذا البائع ولكنه اجاب: “بعشرين درهماً”. فتحاورا على شرائه ثم قال الشجاع: “انسير لاه، خلنا نشتري لعبة بالبيزات، منوه “فايج” يقصد “متفيج” (أي متفرغ) يقرأ تسدنا المدرسة”. فرمى المتشجع الكتاب حتى سقط أرضاً وشاركا مع جموع العدائين من بني سنهم حتى احتواهما ظرفا الزمان والمكان بلا كلل أو ملل. وفي مكان آخر وقفت طالبتان تسألان بائع كتب: عندك روايات “عبير” القديمة؟ فرد البائع: عن أي من العناوين تبحثان؟ فردت إحداهما بكل ثقة: “عاطفة من ورق”، “عذراء في المدينة”، “أسوار وأسرار”، “الثأر” و”انتقام مجهول”. لقد ذابت هذه الواقعة في نفسي حتى استقرت على موقع استراتيجي في الذاكرة له حكمة ورمز جليل ودلالات قاطعة فعندما كنت في سنهما وربما أبكر منه بكثير هناك قصص حكتها مناهج التعليم ولازالت تدق أجراس حب القراءة والتعلم والبراءة كقصة “حمار في جلد أسد” والتي تحكي أن حماراً وجد جلد أسد ميت في الغابة، فحمله على رأسه وغطى به جسده ثم اتجه نحو أقرانه من الحيوانات والتي ما إن شاهدته حتى سارعت في الجري فزعا منه بحثاً عن مكان للاختباء والتخفي؛ ظناً منها بأن الأسد قادم ليفترسها. وعندما لاحظ الحمار خوف الحيوانات، فرح كثيرا ظاناً في نفسه بأنه فعلاً أسد، وزاده ذلك خيلاء وغروراً حتى صادفه ثعلب في الطريق كاد أن يهم في الهروب منه لولا أن الحمار سبقه بأن حاول أن يزأر ليخيفه وجاء صوته نهيقاً. فعاد إليه الثعلب قائلاً: لو أبقيت فمك مغلقاً لصدقتك ولكن نهيقك كشف الحقيقة. وللعارفين أفسح مجالًا... د. عائشة بالخير bilkhair@hotmail.com