في البداية لا أعرف مدى إصرار الإنسان وتمسكه بتواريخ معينة ليجعلها نقطة انطلاقة أو خطوة باتجاه مسافات من الحلم والمغامرة، أو منعطفاً كما يقال تاريخياً للولوج في الزمن الجديد، رغم أن الزمن متداخل ولا يعترف بالفواصل، فالدخول في قرننا الحالي بكل تعقيداته كان يتطلب تراكم تجارب لشعوب مثابرة، وتصر على بلوغ النجاح، وليس عيداً كما تصور البعض، ولا ابتهاجاً كرنفالياً لمشاهدة الشمس الجديدة في جزر الباهاما. هناك شعوب لم تستطع دخول بوابة القرن الحالي، واكتفت بالمشاهدة من خلف الأسوار إذا ما سمحت هذه الأسوار العالية بمتعة النظر، وهناك شعوب لاتزال في توجّسها وخوفها ورهبتها من ذلك الآتي من بعيد، لأنهم لا يعرفون مفاتيحه، ويستشعرون ظلمة الطريق إليه، لكن فرحة الإطلالة القرنية ما زالت تدغدغ بعض الشعوب الأخرى المتعلقة في قافلة الركب راضين من الغنيمة بالذهاب. ?يبقى الإنسان المتحضر سليل الحروب والحضارات والصراعات، والذي تفرغ منذ أمد لكي يؤسس حياة جديدة تعظّم الإنسان وفعله الخيّر وعمله ضد الشر، هذا الإنسان الجديد والذي قد يطلق عليه الإنسان الكوني، يسعى جاهداً بعد أن فرّق محتوى الفلسفات والأفكار الإنسانية، ليقول لا للحروب العالمية بين الدول، وليتجه العالم إلى محاربة الكوارث البيئية، ولينوّخ الطبيعة ويقلل من فواجعها، ويقهر المرض وسيذهب بعيداً في المحافظة على طول حياة الإنسان المتخلّق بأخلاق القرن الجديد، لكنه قد يفكر بحلول بترية حين يعجز قد تصل للتطهير العرقي، وحل دم أولئك الذين يلوّثون العالم بجهلهم وفقرهم وسوء تغذيتهم واتكاليتهم وزيادة مواليدهم بلا تنظيم ولا تخطيط اقتصادي صحيح!? سيتجه الإنسان الجديد في قرنه الجديد إلى الفضاء، إلى الكون بحثاً عن رزق آخر ومتسع في الحياة، وربما عن أخ آخر يسكن هناك، وربما يبدأ بوضع اللبنات الأولى للمستعمرات الفضائية، تاركاً الأرض تضيق على الآخر بما رحبت، الأمر الذي قد يخلق في المستقبل طبقة علوية وطبقة سفلية، حينها سينتفي صراع الطبقات على الأرض وسيكتفى بالتنابز بالألقاب من بعيد، وربما تترك الأرض لغير القادرين على الطيران لوحدهم، وللمندهشين من دورة الحياة، ومنطق التاريخ الجديد، سيتفرّج سكان الغرف العلوية على ديدان الأرض وهي تنهش بعضها بعضها، متذكرين حروب الجد الأول القبلية، وغاراته الهمجية، مقهقهين من علٍ على مصير الإنسان حين يقرر أن يكون متخلّفاً، وحين لا يستطيع أن يكون غير ذلك!