أوطان تتمزق، وأوطان تزهق، وأوطان تسحق، وأوطان تمحق، وأوطان تعاني من حومة الوغى، لأن فئة أو شريحة من الناس فكرت أن لا تنتمي إلى وطن لتذهب بعيداً إلى حيث الخروج عن القيم الإنسانية، والارتماء في أحضان أوهام وأسقام وركام وحطام مبادئ لا تثري ولا تفري غير نيران الحقد وتحطيم الثوابت. ما حصل في بلدان عربية كثيرة يتكرر الآن على أرض اليمن، هذا البلد الذي لم يكتف بالفقر المتفشي وقلة الحيلة، فجاءت طامة الحرب المدمرة التي أتت على الأخضر واليابس، وصارت تضرب بمعاول الهدم والتدمير بكل شراسة وقسوة ليدفع الإنسان اليمني البسيط ثمن انتماءات وافتراءات إخوة لهم في الدم والتراب، وبات الأمر بالنسبة للمشاهد والمتابع أن ما يحصل لليمن ليس نتيجة لرغبة فئة الانشقاق على الأرض الأم بفعل الاختلاف، وإنما الأمر يتعدى ذلك، لأن من يقرأ الحدث اليمني بإمعان يجد أن هناك جمرات ما بين السطور وفي الثغور تفعل فعلها، وأن الفئة التي تريد أن تخرج عن الثابت لتتحول إلى أفعى تلوي غضبها على عنق الحقيقة هي فئة لا تختلف أبداً عن سابقاتها من فئات جزت عنق الحقيقة في العراق والجزائر، وكذلك في باكستان.. مخطط جهنمي يريد أصحابه أن يصبوا جحيمه على هذه البلاد لخدمة أغراض ليس الهدف منها غير التفكيك وتحويل هذه الأوطان إلى جزيئات أدق من الذرة، وإشاعة الفوضى وفرض إمبراطورية الغاب تحت ذرائع وحجج لا يقبلها منطق ولا يصدقها عقل.. نعم نحن الآن أمام مرحلة من أدق المراحل لأن الذين يخوضون المعارك ضد الأوطان تلبسوا برداء العقيدة التي هي جزء مهم من وجدان الإنسان، ولكن ما يتم تنفيذه من هذه العقيدة السمحاء هو التزوير والتحوير وتفسير التدبير، بأفظع التبرير ما جعل الإنسان يقف مصدوماً أمام قوى شيطانية استطاعت في غفلة من الزمن أن تحول الدين إلى مالك الحزين، ينعق وينعى حظ الناس، وهو الذي شوه وجه الحياة، ولون المشهد الإنساني بلون السواد، ووشحه بخدر كتم الأنفاس وحبس النفس.. نحن اليوم أمام مرحلة أن نكون أو لا نكون، أن نكون أحياء نرفض فعلاً الغلاة والعتاة من فئات أخذت على عاتقها نشر الموت المجاني في الأرجاء، أو أننا نقبل بالأمر الواقع ونصبح ضحية صمتنا وخذلاننا وجاهزيتنا لاستقبال مزيد من الخض والرض والغض حتى لا يبقى كون ولا كائن على أرض البسيطة. نحن أمام مرحلة يبقى دورنا كبشر فيها رفض ما يلقننا إياه من حفظوا ولم يستوعبوا ولم يستفيدوا من الدرس.. وأن نحب الحياة وأن نحمي أشجارها من الذبول ونسقيها بماء المكرمات.