صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

هند الفهيم

هند من البشر الذين ولدتهم أمهاتهم للآخرين، هكذا دارت محاور حياتها، فهي مثال للرصانة والهدوء ودماثة الخلق وتناسق الحوار، وفية لصديقاتها، في تفانيها لحب والدتها وأبنائها ما يقال ويكتب عنه الكثير. من منا لا يحسد شخصاً كذلك على انتقائه الخير وبناء سمعة مجيدة تذرف لها الدموع بمجرد الذكر. ويا لها من ذاكرة تحفظ الصغير واللطيف فلا غير ذلك يشبه هند التي لم تستجب لرسائل صديقاتها ودعوات الجمعة وتبريكات العيد، فتخلل أفكارهن الوجس وتلاعب بهن الوسواس حتى عادت هند إلى بلدها، الجسد لنا والقلب مع الله. وفي يوم ميلادها فتحت عيني في الصباح لأشعر بحرقة أنفاس والدتها ثم لوعة قلب هند وزفراتها المنادية “ها الله ها الله في عيالي”. ونهضت من فراشي بحيرة و تساؤل.. شيء عجيب لا تفسير له! وبدلاً من الدموع في الصباح أقبلت على القبلة ورفعت يدي لله سائلة إياه أن يمنح والدتها الصبر والسكينة وأن يقوي إيمانها في عصيب الوقت وأن يجد لها مخرجاً إلى مقر حكمته وفضاء رحمته. ولم يساورني الخوف على من ستترك وراءها من أبناء، فلقد زرعت ما سنحصد ونجني ثماره جميعنا. وتركت هند في نفوس صديقاتها الكثير، فمنهن من يتذكر الصفاء ولا شيء غيره ومنهن من تصر على أن هند “في حياتها ما غثت حد” و أخرى تصر على البراءة والتسامح وصفات أخرى يتوق كل من بقي على قيد الحياة و تكبل بأصفاد جرمها أن ينال ولو صفة واحدة منها. وفي صراعها للبقاء حتى تجزل العطاء جاء شريط حافل من الذكريات عن شخصها وشخصيتها وعن تفاصيل أجواء المدرسة وتفوقها الدراسي وتفانيها واحتوائها للغريب وتحديها للظلم. ولم تهدأ نفسي حتى زرت قبر والدتي وترسخت في ذهني فكرة جميلة هي أن اللحظة الآن وهي غداً في الماضي والغيب علمه عند الله فأنرت شموع الأمل على نداء ضوئها ودعائي فتفتح هند عينيها المشرقتين من جديد. وفي هدوء الصباح رحلت عنا هند وليت العالم يعرف من فقد. هند مقياس ثابت لمعايير الهوية الإماراتية والتزامها بالمبادئ بلا حياد أو تطرف وتجسيد لحبها لهذا الوطن لذا توجب علينا لفت النظر لغياب من كان على شاكلتها فكلما سقطت وردة في البستان تاهت الفراشات وتخبطت أجنحتها. وهذه حالنا من بعد غياب أقراننا والمؤسسين الرئيسيين في محاور ذاكرتنا. وعندما تخلو بيوتنا وتكبر فجوة فراقهم في قلوبنا تتقطع ضربات قلوبنا وترتجف أوصالنا ولكنا بحمد من الله نواصل مشوار الحياة. لم أر هند قط ولا أعرفها ولكني عشت عاشقة لها لما تتناقله الأفواه والمسامع. أدعو الله أن يحسن عزاء أهلها وذويها وأن يغفر لها ويرحمها ويثبتها بالقول الثابت يوم الحساب. «فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون». د. عائشة بالخير bilkhair@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء