قريباً سيأتي الصيف بلهيبه الحارق وينهض الشوق للسفر.. كل مقتدر يسافر، كل مضني يتوق للسفر..السفر بيت أول يصنع من ضرورة التوق للحرية.. بيت نرتمي فيه من متاعبنا، نعب فيه من المسرات ولذة الكشف. السفر نافذة ّتفتح في جدار السكينة وسياج الرتابة والعادي، وهو خروج على المألوف لاكتشاف الألفة في أماكن لم نألفها بعد، هو استدعاء الدهشة ولذة الراحة من تعب يسورنا بالواجبات.. إنه توغل في المجهول كي يصير معلوماً. السفر توق خفي كامن في قاع الروح للامتداد، ليتأكد لنا أننا كائنات لانهائية.. ربما أنه غريزة فينا نحن البشر أو نداء خفي إلى ما لا ندريه بعد! والسفر أجمل ما يكون حين لا تصطحب إلا نفسك.. و كم هو جميل ذلك الارتباك الذي يوقعك في شراكه لأنك نسيت أكثر التفاصيل ضرورة.. لحظتها عليك أن تضحك ملء قلبك، فالضحك وحده مفتاح الحلول في الأسفار.. حين تكون وحدك يغمرك الهدوء أمام كل المشكلات التي تمر بك.. فماذا يعني السفر دون ارتباكات صغيرة ؟ ??? في الطائرة، الناس مدججة بحقائبها وزوائدها، وحين يهدؤون تبدأ المضيفة في شرح كيفية استعمال أدوات السلامة، ومع ذلك كم موت أنجز بكماله وجلاله في حوادث الطائرات؟ ??? الإنسان وحده يعرف السفر ويتوق للسفر ويسافر.. هجرات الطيور ليست سفراً، إنها حركة الطبيعة في تبدلاتها. وفي لغتنا تبدو هذه الكلمة وكأنها مركبة من “سين” المسافة، و”فاء” الفرار و”راء “ الرجاء. في ذاكرتي تتوارد صور الحقائب والحدود وأجهزة الكشف بالأشعة والوثائق والأختام والوجوه المستريبة! إذا لم تسافر إلى مكان آخر لن تكتشف نعمة المكان الأول. كأن السفر نهج للاختبار والكشف.. كأن الإنسان انغرس في رغبة الرحيل كي يمتحن الديمومة.. كأننا ونحن نجمع أيامنا للسفر، نجمع أشواقنا للفرار! ??? إلا أن السفر يثير الأسى والارتباك. فإذا رأيت رجلاً أو امرأة مشغولاً كثيراً وكثيراً جداً بالحقائب والملابس والهدايا والفنادق والبنوك، والتجول قبل شهر أو أكثر بين المتاجر، والتقلب بين البضائع، إذا رأيت امرأ كهذا فقل -وانت مطمئن- إنه لا يعرف معنى السفر. إذ أن السفر في معناه العميق، خروج على كل شيء، وكل أسر، وكل لباس !! يبقى.. أن السفر هو السفر، مسقوفاً بذاته، وممتداً في مراميه. ??? في السفر أنت هنا في بيتك وأنت هناك في المكان الذي سافرت إليه. وكلما كان حضورك هناك أكبر كانت خسائرك مهما بلغت أقل وأصغر. أما إذا بقيت هنا وأنت هناك، فإن ما بذلت من مال وجهد ضائع بلا جدوى. أقول هذا لأني رأيت بعض الناس تحمل حين تسافر بيوتها وقيود وظائفها وجيرانها ودكاكينها.. فما الذي كسبت غير ختم على صفحة في جواز السفر؟! أليس السفر هو الرحيل إلى الضفة الأخرى، حيث العشب –دائماً- أكثر إخضراراً؟ hamdahkhamis@yahoo.com