تختلف أبوظبي المدينة والعاصمة الآن، اختلافاً جذرياً عما كانت عليه مقارنة بالصورة الفوتوغرافية التي أخذت لها من طائرة عام 1959، وهي الصورة التي تم تجسيمها بمساحة صغيرة وعرضها بالمجمع الثقافي. تُظهر الصورة هذا القِدم الأليف للمكان، وصغر حكايته المعمارية. فغير “قصر الحصن” الأعتق زمناً، هناك اسطبل، إدارة شرطة، 27 مسجداً، ثلاث مقابر، مدرسة، سوق، ع دد قليل من الفلل، وأكواخاً أو عشش من الطين والحجارة المرجانية وسعف النخيل والجبصين. يأتي السياح، والعاملين الجدد من الخارج إلى المدينة، ويسألون بحكم العادة عن الأماكن القديمة في أبوظبي، فلا يجدون إلا “قصر الحصن”، إذ أن كل مكان قديم يمنح النفس رغبتها في الراحة تجاه التاريخ، لكن لا يمكننا أن ننسى الطبيعة الاجتماعية القديمة لأبوظبي، وأن الجغرافية الصحراوية هي بحد ذاتها بطولة معمارية، تهزم المرايا والتأنق أياً كان، وهذا ما أشار له الكاتب الأرجنتيني “بورخيس” في إحدى قصصه، التي تُقر بأن متاهة المرايا التي صنعها الأوروبي آيلة إلى زوال، أما متاهة الصحراء فإنك متروك فيها لعظمة الخالق، الحي الذي لا يموت. لكن زمن الصحراء في بقعة منه، اختلف بحكم اكتشاف البترول، وشُقت المدينة على عجل وخلال 30 سنة طريقاً للمدنية المعمارية. المراقب لأبوظبي المدينة معمارياً، سيرى أنها وبتدوير اقتصادها من مستوى إلى مستوى أكبر؛ بنيت وهدت حوالي أربع مرات، المرة الأولى قضت على العشش وأصبحت بيوتاً ذات طابقين أو ثلاثة، ثم عمارات صغيرة خمسة أدوار وسبعة، ثم أعلى من ذلك بلوغاً لخمسة عشر طابقاً، ثم للعشرين فما فوق، حيث بدأ استقرار اقتصادي عام، إضافة إلى اكتمال شكل فاعلية المؤسسات الرسمية، ومن ثم أخيراً التوسع الأفقي والمشاريع المكتملة والمرتبطة ب”البيزنس”. الشاهد من كل هذا؛ أنه لماذا لا تقوم هيئة السياحة بأبوظبي، بتعيين بناية من كل جيل معماري، وشرائها وترميمها، ودفعها لتكون متحفاً أو مركزاً ثقافياً أو اجتماعياً، لتكون تلك البنايات شاهداً سياحياً على التحول المعماري بالمدينة، وهو في جميع الأحوال مكسب معماري، سياحي، انتمائي، ورابط تسلسلي لأشكال التحول الاقتصادي والسياسي، والحنين المادي يشير فيما يشير إلى جعل العلاقة الإنسانية حميمة كلما أمكن وشعر بذلك أحد. وهذا بالطبع لا يلغي ايضا ان يتم التفكير في إعادة بناء كل ماهو موجود في الصورة الفوتوغرافية الملتقطة لأبوظبي من سمائها عبر طائرة عام 1959