في فيلم خيانة مشروعة حوار مهم بين صحفي نشيط مهتم بمتابعة قضايا الفساد والفاسدين وبين صحفية تعمل في التحقيقات الصحفية المتعلقة بالجرائم الغامضة، وحين تعثر على خيط تكشف به غموض إحدى الجرائم التي ارتكبها أحد أبناء العائلات المتنفذة بالتوازي مع كشفها لدور هذه العائلة في الكثير من قضايا الفساد، يطلب منها زميلها أن تعطيه الأدلة قائلاً : “هم لصوص وقد قاموا بواجبهم وسرقوا البلد، بقي أن نقوم نحن بواجبنا ونفضحهم، عل أحد غيرنا يقوم بواجبه بشكل جيد فيحاسبهم” !! عبارة شديدة الاختصار، وبالغة الدلالة والأهمية ترسم خط السير أو خريطة الطريق المطلوبة لملاحقة الفساد والفاسدين، فإذا كانوا هم قد قاموا بواجبهم أو عملهم على أكمل وجه وسرقوا البلد واستولوا على أرزاق الناس، فإن على الجهات الرقابية أن تقوم بواجبها أيضاً فتكشف المستور للناس وللجهات المسؤولة، كالصحافة مثلاً لكن دون أن تنتظر انفراجاً سريعاً، أو أن تنتظر تحركاً من الأساس، فذلك رهن بمعادلات شديدة التعقيد لا يهم الصحافة حجم تعقيداتها ويجب أن لا تعيقها هذه التعقيدات عن كشف الخفايا، فلعل جهة أو تلك هي العدالة حين نريد أن نصل لمجتمع الشفافية الذي يطالب به الكثيرون دون رؤية واضحة لآليات تتبع الفاسدين ! لماذا لا يتوجب على الصحافة أن تنتظر تحركاً سريعاً حيال قضايا الفساد وخاصة في المجتمعات النامية أو حديثة النشأة ؟ أولاً لأن آليات محاسبة الفاسدين ومتابعة الفساد لازالت نهجاً حديثاً جداً وتتعارض في أحيان كثيرة مع شبكة العلاقات والمصالح المتداخلة بين الناس بجميع مستوياتهم، أما ثانياً فلأن مهمة الصحافة أن تقدم المعلومة بمصداقية وتجرد دون أن تلعب دور القضاء، فهي سلطة رابعة كما يقال لكنها ليست سلطة قضائية بطبيعة الحال، أما ثالثاً فإن انتظار ردود الفعل الرسمية قد يوهن العزم ويوقع الصحافة في مطب اليأس من التغيير إذا طال أمد التحرك كما تتوقعه الصحافة، لذلك عليها أن تنشر الوقائع التي تتوصل إليها عل أحد يقوم بواجبه فيتصدى ويحاسب ويعاقب كما جاء على لسان الصحفي في فيلم خيانة مشروعة. في مجتمعات كثيرة تلعب الرشى أو ما يسمى بلغة العصر “الكمشن” دوراً خطيراً في جعل الفاسدين يرفلون في نعيم الملايين المنهوبة تحت أغطية شتى، فالمصرف يوافق على قروض ضخمة مقابل كمشن مجز ، والمؤسسات والشركات العقارية توافق على عقود وصفقات مقابل “كمشنات” مجزية تدفع لبعض المسؤولين الكبار في هذه الشركات الأمر الذي يلوي ذراع القانون ليسمح لفلان وعلان بشراء أراض أو حجزها دون دفع أي درهم مقابل هذا الشراء، وفي النهاية تتكون ثروات خيالية لأشخاص جاؤوا إلى وظائفهم مجرد موظفين، فإذا هم بين ليلة وضحاها من أصحاب الملايين دون أن توجه لهم الصحافة في فترة التألق سؤالاً من شاكلة : من أين لك هذا ؟ رئيس أقوى دولة في العالم يقدم براءة ذمة قبل دخوله البيت الأبيض وبعد خروجه، ويحاسب على أصغر هدية يتلقاها أثناء توليه المنصب حتى لو كانت بحجم قلم حبر ، وفي عالمنا مدير تنفيذي يصل راتبه لـ 700 ألف درهم دون أن يثير أي تساؤل عن العمل الخارق الذي يؤديه ويستحق به هذة الثروة !!