صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

خاطرة خبأتها عن المطر!

شتاء أوروبا هذا العام لا يمكن للعظام أن تتحمله، فدرجة الـ”برودة” 22 درجة مئوية تحت الصفر، يعني أقرب لدرجة المحيط المتجمد الجنوبي، فالـ”مسيو لو جنرال” كما يسمى، الثلج الأبيض سيمكث طويلاً في مدن أوروبا، وسيبقى ثقيلاً على نفوسهم، لأنه يجلب الضجر، ويبعث الكآبة، وثيابه الصوفية الغليظة والداكنة تزيد من عبء تحمله، بخلاف الصيف الذي يطبع الناس بطباعه الخفاف، ويجعلهم متحررين من الثياب، جرداً منطلقين لبحره وشمسه! هذا الشتاء إن رافقه مطر يصبح الأمر كارثة، فأولاً لا تشعر برومانسية المطر، لأنه لم يأت وحده هذه المرة، إنما بعاصفة وزمهرير، فتضطر لحمل شيء لا تطيقه، المظلة أو المطرية، لكي نفرق بين ما سنستظل به وقاية من الشمس، وما يمنع عنا قطرات المطر، هذا الشيء وإن تعددت ألوانه، فهو مربك ومحير، ويمكن أن يخالف الأرجل، وتحتار أين تضعه، وبمقدار أي علو ترفعه، خاصة إذا ما كانت الجثة التي تحملها تميل إلى القصر، فتخشى أن توغف عين واحد مستعجل، خاصة وأن كل البشر في المطر تجدهم بتلقائية يهرولون أو يركضون ولو كانت المظلات فوق رؤوسهم، هي طبيعة إنسانية، يمكن بتلك المظلة التي لا تعرف هل تمسكها باليد اليمنى أم اليسرى، وهل هناك “إتيك” في الحمل، أن تخلع “باروكة” عجوز أو تجرح خد صبية كان يلتمع بقطرات من المطر قبل قليل، ما حملت ذلك الشيء يوماً وهطل المطر، ولا تركتها وحدها في جحرها قرب الباب وعجزت عن حملها، إلا ودنّ الرعد وأنهمر الغيث! من مشكلاتي مع المطر غير المظلة، ما انتعله، فحبي للآمع منها وذات الجلد الطري، يجعلني انتقي لحذائي أماكن لم يغمرها الماء، فيبدو الواحد وهو يتقافز من غبة إلى أخرى مثل لاعب باليه سمين، وحين يكون في الإمارات وينزل المطر يصبح أشبه بطائر البطريق، يد على الرأس، ويد ترفع الكندورة لئلا تسحب على الأرض الموحلة! وزمان لو آزم المطر صبيباً، لا شيء نخاف عليه، والبيوت ترمم بسرعة بالطين والمدر، اليوم في البيوت الأسمنتية والزجاجية، نخاف أن يخرّ علينا السقف، ونخاف على السجاد العجمي، ورخام يشرب الماء، وطلاء جدران لا يتحمل البقع، دائماً أتمنى المطر يكون صبيباً على “كبت” وخزانات سهيلة التي فيها مئات الفساتين، وتدعي ما عندها شو تلبس في حفلة عيد ميلاد صديقتها التي لا تحبها كثيراً، ويخطف على أحذيتها ونعلانها ويجعلها تسبح مثل مراكب صغيرة تائهة، المهم أن يبتعد عن كتبي المبعثرة، وأرفف مكتبتي المرتبة بفوضى نظامية!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء