على غرار الثقوب السوداء التي تبتلع الكواكب العملاقة، لدينا على الأرض نجوم سوداء كثيرة تبتلع بدورها كل القيم الجميلة في حياتنا وتظل تشع بعتمتها لتغطي مساحات شاسعة من وجودنا. والغرابة أننا نراقب هذه النجوم ونسهر على أقوالها وأفعالها ليس استمتاعا، إنما انتظارا للحظة أفولها الأخير واختفائها من مشهد الحياة المركبة بتناقضاتها وبتضاد ألوانها إلى درجة أن الظلم الذي يبزغ من الظلام ويصبح غيمة عملاقة فوق رؤوس المظلومين يصير في نظر البعض، خصوصا عميان القلوب، مجرد غيمة بيضاء وقد يدوم لسنين طويلة من غير أن يعاند وجوده أحد. هناك نجوم سوداء في السياسة، حيث تمتلئ بهم شاشات التلفزيون يوميا وهم يتحدثون للعالم عن السلام والبراءة والرغبة في فعل الجمال، فيما الناس على أرضهم يقتلون ويبادون جماعات جماعات. ولا يعرف أحد من أين يستمد هؤلاء القدرة على مراوغة العالم والتصريح بنفي ما يقترفونه في عز النهار، هؤلاء يصيرون نجوما وقد يتابعهم الناس في كل مكان. لكنهم نجوم بلا بريق، تحيطهم هالة سوداء من شدة انغماسهم في الذنب العظيم. وهناك نجوم سوداء في الثقافة أيضا، عندما يخرج الأوصياء على الحرية ويصادرون الأفكار المبدعة من منابعها البيضاء ويمنعون عنها الهواء والشمس لكي لا تنمو. هؤلاء يكونون نجوما في منابر الضد والصد، ومع الأيام تكبر هالاتهم السوداء لتغطي كل كلمة صدق، وكل حقيقة ناصعة لأنهم لا يرون سوى العتمة التي تغذيهم للبقاء في موقع المواجهة الدائم لكل ما هو مشع وبرّاق. والأغرب أن هؤلاء يتكاثرون بالمئات كلما ظهر مبدع هنا أو مبدعة هناك، وقد يصل بهم الأمر إلى الرغبة في قتل كل من يخالف قناعاتهم. وسماء الثقافة هي المسرح الأول لظهور هذه الفئة من النجوم التي تحاول التعتيم على التاريخ والانتقاء منه كما تشاء، ثم استخدام هذا التاريخ لنفي الآخر أياً كانت طبيعة تفكيره أو قناعاته. وقد يكون فعل هؤلاء أشد فتكا بالمستقبل البشري لأنهم ينثرون البذور السوداء التي تتغذى على الحقد ويصبرون عليها إلى أن تكبر وتصبح أشجارا تزهر أوراقها بالحديد والبارود والخناجر المتربصة. هناك أيضا نجوم سوداء أصغر حجما نراها في مكان العمل عندما يمارس المسؤول أفعال العلياء والتكبر وإزاحة المبدعين لكي يصل إلى قمة الهرم الوظيفي. ونراها في سطور الكتاب المزيفين وأصحاب الأقلام المأجورة، وأصحاب الأفواه المشتراة في القنوات المباعة. وتكفي التفاتة فاحصة للوحة الحياة لكي نكتشف مكامن هذه النجوم على الصفحات البيضاء التي نحاول أن نحافظ على نقائها قبل أن تنتشر الرقعة السوداء وتغطينا بالكامل. وهناك إذا اشتد الظلام أقمار سوداء كثيرة وكبيرة يمكن أن ترتفع في ليالي الرعب والخوف. وقد يصل بها الأمر إلى أن تحجب نور الشمس كله. akhozam@yahoo.com