صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أيها القلق اللئيم

حمدة خميس

أيقظتني أيتها الكآبة والقلق اللئيم.. أيقظتني. كنت غافية كالطفل الوليد في مهده، المطمئن إلى حضن الأمومة. يسير متئداً ويخطو، يحيطه الحب ويحرسه. ويرصد الفجر الذي سيشرق من خصب روحه وأحلامه عبر خطواته في مدارج الأمل والحياة. أيقظتني من غفوة كأنها الغيم السخي أو رذاذ الندى يرشُّ أحلام روحي التي صدأت من وحشة الأيام. ويحرسني فجر أراه من وراء العتمة التي تلفني دوماً في خيمة الأسى.
كان النهار مشرقاً ينسل من بين الستائر ورفة أجفاني. وكانت الضجة خارج البيت تراوغني لأخرج من صمت عزلتي التي انتقيتها كناسك في هدأة عزلته. يقرأ ما توحي به الرؤيا ليصوغ حكمته. شجرة التوت التي زرعتها قبل عشرين عاماً تنثر فتنتها وترتعش أغصانها لنسمة عابرة حتى في اشتداد هذا القيظ. وتلتقط العصافير ثمارها الحلوة التي كنت أجمعها لأعمل العصير والمربى الحلو. وها أنا الآن أيها القلق اللئيم لم أعد أسبق العصافير لألقط حباتها. كنت أرقب خفقة الظل ورفيف أجنحة الفراشات والنحل الذي يجمع رحيق الأزهار ليبني لي خلية العسل، فأبتسم سعيدة متألقة ومبدعة. عطر الفل في بياضه الناصع يقطر من بين أصابعي. والورد من فتنة عطره يغريني بالشعر والتأمل. فهززتني وأيقظتني من حلم جميل على الوسادة كان يصعد بي إلى قمم الأماني. فصعقتني ورججتني وصعدت بي إلى قمم اليأس يلفني على مدار أيامي وساعاتي. نعم، قدماي حافيتان ويداي خاويتان وشفتاي ظامئتان، فكيف بين مدارج القلق والكآبة سأخطو نحو آمالي وأحلامي وسعادتي. وكيف من يغمره الأمل توقظه ليغمره لهيب يأسك ورماد أمنيتي؟
أيها القلق اللئيم دعني أحرث تربة خيالي وإبداعي وأبذر الشعر ليزهر على مدى الفصول والأيام والأعوام، وأفسر لغز الكون في مسراهما الأبدي. دعني لأنسج ظل أيامي بحبر روحي وأنسج المعاني العميقة في إيقاع قصيدتي. دعني لسحر الشعر أنقشهُ أثراً على صخرة السنين ليحفظني كوشم عميق في ذاكرة الزمان والعمر. لملم سوادك حول قلبي وفكري، واخرج سريعاً مثلما يخطو الغريب وابتعد. فلا شأن لي بك. ولا شبر لك في ظل بيتي وأيامي. ولا ماء تفيض به ينابيعك لأروي عطشي. ولم تمنحني زورقاً لأعبر البحر إلى ضفاف أمنيتي. ولا مجدافك المكسور في عنفوان موج الحياة تحكمه يداي. ولا شراعك المبتور حين اشتداد عواصف الدنيا تزجره رياحي. سوف تتساقط أوراق التوت حين ينتهي فصله. فكل الفصول تتبدل، والأزهار تذبل، إلاّ الشعر والإبداع، لا فصل له، ولا يأس يقسره على الغياب. كأنه جمرة عصية لا تطفئها الرياح. فهيا ابتعدا أيها القلق اللئيم والكآبة اللعينة. فليس لكما في روحي مسكن، ولا ظل. فهيا ابتعدا!

 

الكاتب

أرشيف الكاتب

ضلالة القناعة

قبل أسبوع

يا لهذا الذكاء!

قبل 3 أسابيع

تأمل في أسرار الليل

قبل 3 أسابيع

مناجاة البحر

قبل شهر

لعنة الميراث

قبل شهر

في رحاب الصمت

قبل شهرين

في انتظار الزمن

قبل شهرين
كتاب وآراء