قبل سنوات عدة تلقت سفارتنا في أوتاوا توجيهاً من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإيفاد ممثلين من السفارة لتقديم واجب العزاء وحضور مراسم تشييع ممرضة كندية كانت قد خدمت في ستينيات القرن الماضي بمستشفى «كندي» بالعين، والذي يعرف جيداً دوره وما قدمه لأهالي العين. وكم كان أثر هذه اللفتة الإنسانية الحضارية الراقية كبيراً وعظيماً في نفوس عائلة الممرضة المتوفاة. بعدها بسنوات، استقبل سموه في مجلسه العامر عدداً من أطباء ذلك المستشفى، وقد تقدم بهم العمر، تكريماً وتقديراً لهم، وتأكيداً أن الإمارات لا تنسى من خدمها بإخلاص في أي موقع كان. وحدث سموه ضيوفه عن الخدمات الجليلة التي قدموها لسكان العين في وقت كانت تشهد فيه أحد أعلى وفيات الأطفال وأمهاتهم أثناء الولادة. استعدت هذه الصورة من رقي التعامل والوفاء والاحترام لمن خدم بإخلاص وتفانٍ، بينما كنت أتابع زيارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، إلى نيوزيلندا التي تبعد عنا بنحو 19 ساعة طيران، حيث حرص بومحمد برغم ازدحام برنامجه باللقاءات والمحادثات الرسمية، على تخصيص بعض من وقته في ويلنغتون للقاء عائلة ليتل تكريماً لوالدهم الذي خدم في صفوف قوات «الإمارات المتصالحة» في خمسينيات القرن الماضي، تلك القوة التي ساهمت في تعزيز أمن المنطقة وسلامة شعبها، وكانت نواة لقواتنا المسلحة التي احتفلت مؤخراً بالذكرى الـ42 لتوحيدها. قبل ذلك، وخلال زيارة مماثلة للعاصمة اليابانية طوكيو مطلع العام الجاري، حرص سمو الشيخ عبدالله بن زايد على زيارة وتكريم عائلة الدكتور تاكاهاشي الذي عمل كمهندس تخطيط مدن في أبوظبي تحت إشراف المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. لفتات بسيطة عظيمة الأثر والوقع في النفوس، أتمنى أن نتعلم من دروسها وعميق معانيها جميعاً، ونقتدي بها خاصة لدى المسؤولين المعنيين، كل في قطاعه، لأنها ممارسة تحمل لفتات حضارية وإنسانية قبل أي اعتبار آخر، كما أنها تعد عامل تحفيز ملهماً للقيادات الشابة للمزيد من العطاء والتميز، فلا أحد يعترض على رؤية الإدارات المسؤولة في تلك القطاعات وقراراتها بالإحالة إلى التقاعد أو الاستغناء عن موظفين لديها، ولكن عليها أن ترسي نماذج للتعامل الحضاري ليس أكثر.