في التاسع من هذا الشهر مرت على ميلاد أبي القاسم الشابي 100 سنة بالتمام. والثابت تاريخياً أن الشابي أبتلي بمرض انتفاخ القلب في سن مبكّرة. وظل يحيا على حافة الهاوية. بالشعر كان يواجه عَدَمَهُ الخاصّ. لكن الشعر اقتاده إلى حتفه. وكان في لحظة الكتابة يعيش حالاً من التوتّر مروّعة. وهو يسمي هذه الحال “النَّوْبَة” ويصفها في رسالة إلى صديقه محمد الحليوي قائلا: “أما الشعر فقد لبثت نحواً من عشرين يوماً لا يخفق في نفسي شدوُهُ أو غناؤه، ثم أخذتني النوبة وأنا لها كارهٌ. فلفّتني في مثل العاصفة الهوجاء التي لا ترحم. وملأت عليّ صفْوَ الحياة ألسنة الهواتف التي لا تسكت وتهادت حول قلبي الأشباح والصور والخواطر والذكر. ولم تفارقني في نوم ولا يقظة”. لم يكن الشابي إذن ينظم الشعر باعتباره صناعة، بل كان يعانيه وجعاً يشتد في لحظة متميّزة هي لحظة المكاشفة الشعرية التي قال إنه يصبح حين يرتادها “شعلة نارية تتّقد بين البشر. وبالذات، بجراحاتها، يشرع في إنجاز فعل الكتابة. يقيناً كان الشابي يعلم أن الكتابة تمضي به قُدماً إلى حتفه. لكن لا خيار هناك ولا توسّط. إنه قدر المبدع. وهو أيضا قدر رفاق دربه الذين ترصد الموت خطاهم واختطفهم تباعاً. كان الشابي محاطاً برفاق ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في المغرب العربي. ومثلما كانت الحياة قاسية مع الشابي كانت فظّة غليظة مع رفاقه. كان الموت يترصد خطاهم جميعاً. كانوا من صنّاع التاريخ وبناة أمجاد تونس الحديثة. أذكر منهم مثلاً: محمد علي الحامي وهو رجل عصامي نجح في اقتلاع شهادة في العلوم السياسية والاقتصادية من الجامعة الألمانية ثم عاد إلى تونس وأسس جامعة عموم العملة التونسيين سنة 1925م وهي أول تنظيم نقابي أشعل الدنيا تحت أقدام المستعمرين الفرنسيين. والطاهر الحداد: وهو أبرز مفكر تقدمي في علم الاجتماع كتب كتاب “العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية” ليؤرخ فيه لحركة محمد علي النقابية ثم ألّف كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”. فأحدث في المجتمع التونسي ثورة اجتماعية عاصفة. انتهى محمد علي الحامي طريداً شريداً بعد أن نفته القوات الفرنسية خارج تونس ولقي مصرعه في حادث سير غامض بالمملكة العربية السعودية سنة 1928م وهو في الثامنة والثلاثين من العمر. وانتهى الطاهر الحداد محاصراً في تونس مدحوراً مذموماً بعد أن شنّ عليه المحافظون والمتزمّتون حملة تكفير انتهت بموته كمداً وهو في السادسة والثلاثين. أما الشابي فقد عاش مفتوناً بالجنون يحاذره ويخشاه لكن مخلب الموت كان أسرع من ليل الجنون. فاختطفه الموت وهو في الخامسة والعشرين.