رغم أن الشاعرة زليخة أبو ريشة تضع لكتابها الأخير عنوان “أنثى اللغة” فإننا نستطيع قلبه بعد قراءة الكتاب ليغدو “لغة الأنثى”، فهي تتعقب في نصفه الثاني كاملاً رواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي من زاوية لغوية، وتنشر في ملحقات الكتاب مقالات وشهادات حول الرواية، وحقيقة كتابة مستغانمي لها، وهو أمر نوقش في حينه، وردّ عليه كثيرون، وخاضوا فيه ومنهم زليخة أبو ريشة التي أعادت هنا ما كتبته حول الموضوع.. مشوشة على دراسات مهمة ضمها الكتاب كـ”المرأة في جريدة” مستقصية لغة وصور عدد من جريدة “القدس العربي” مبينة الميل إلى التذكير في الصياغة والعرض وتسيد الذكورة فيه. توحي زليخة بأن “ذاكرة الجسد” مكتوبة بقلم مذكر وبلغة ذكورية وليست لغة أنثى، بمبررات تسعفها بها القراءة اللغوية وتفكيك آليات الخطاب الذي تنفضح ذكوريته وفحولته بفحص اللغة، لأن (اللغة سلطة يحتمي بها المجتمع ليمارس سطوته) كما تقرر في أول سطور كتابها، ولكن الحيثيات المصاغة بحاجة للمراجعة والنقاش، لاسيما وصفها نزوع مستغانمي بأنه (ذكوري فحل، يطمس هويتها كأنثى، ويؤجج كراهية عمياء للمرأة عبر محوها وتذكيرها، وإعلاء الذكر وعبادته بلغة قامت على نفي التأنيث وإلغائه) وكذلك ما استشهدت به كتأثرات منقولة في الرواية عن كتابات نزار قباني، وبعضها يذكّرنا في تمحله، وبُعده عن المتن بمبحث السرقات المفتعل في النقد القديم، وحجتنا أننا نرى مع زليخة هيمنة الخطاب الذكوري على وعي المرأة الكاتبة عامةً، لأنها تعيد إنتاج الوعي الذي أكسبته إياها الثقافة السائدة، وهي من صنع الذكر الذي صارت المرأة بسبب هيمنته موضوعاً فحسب، وليست ذاتاً لغوية كالرجل. هذا الاستنتاج المنسوب لعبدالله الغذامي وسَّعته زليخة كثيراً في كتابها “اللغة الغائبة” نحو لغة غير جنسوية” الصادر في عام صدور كتاب الغذامي “المرأة واللغة”.. وعززته في كتابها الأخير باقتراح معجم نسوي يقترح ترجمات لمصطلحات نسوية أو تغيير لبعض ما ترى أنه لا يناسب الخطاب الجديد في دراسات الجندر والدور النوعي للمرأة ووضعها الثقافي ووعيها، وهي ذات قيمة كبيرة رغم صعوبة تداول بعضها لتعذر النسب إليها مثلاً، أو لكونها مطولة وغير شاملة أحياناً للمفهوم المراد من المصطلح كاستبدال (المثقفون) بـ(أهل الثقافة) والكتّاب بـ(أهل الكتابة) لأن المعاني الحافة بكلمة (الأهل) ذات ظلال ذكورية وهيمنة الرجل ـ الأب وسلالته على شؤون الفرد المنتمي لهذه الخلية الاجتماعية. كانت زليخة في كتابها الأول واضحة الهدف في إثراء اللغة غير الجنسوية وبدوافع معرفية رصينة خدمة لرسالتها التي عرفت بها في الدراسات الجندرية، ومساهمتها في إرساء اللغة الجديدة كحامل للوعي بالنسوية والدور النوعي للمرأة.. وجاء كتابها الأخير لاسيما في نصفه الأول مؤكداً استمرارها في تكريسه وبلورته.