صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حكمة اللؤلؤة

حمدة خميس
اشتهر الخليج بصيد اللؤلؤ وتجارته· كان عصباً اقتصادياً مهماً في مسيرة التاريخ الخليجي ونشاط الناس على أرضه· كان مصدراً للرزق كما كان مصدراً لكثير من المآسي التي عاناها الغواصون· وعلى الرغم من أنه كان يشكل ثروة ووجاهة اجتماعية لمن يملكه، إلا أننا لم ننتبه لكيف تشكل اللؤلؤة في المحارة· حتى جاء العلم وكشف عن سر ذاك التشكل· وكان من نتائج تلك المعرفة أن اتجهت كثير من الدول التي كانت مصدراً وتجارة للؤلؤ إلى زراعته والتحكم في أحجامه وألوانه· في مسيرة حياة الإنسان العادي لا ينتبه إلى أنه يمكن أن يتماهى بالمحارة في حل الكثير من مشاكله، ويجعل من الألم الذي تولده تجربة مريرة مع لؤلؤة تشع به· ولأن (الوعي هو اقصى درجات الانتباه للحياة، ولا يوجد وعي دون انتباه للحياة) كما يؤكد الفيلسوف هنري برغسون، فإن المشاكل قد تحيط بنا وتستهلك طاقتنا الطبيعية جسداً وفكراً ولن نعي كيفية الخروج منها إذا لم ننتبه إلى طبيعة الكائنات من حولنا ونتخذ من حكمتها في مواجهة ما يعترض حياتها من مشكلات عبرة ودرساً· وقد انتبه الفيلسوف الفرنسي ''أومرام ميخائيل أيفانهوف'' إلى حكمة المحارة في مواجهة لما يؤذيها، ويدعونا إلى محاكاتها للتغلب على مصاعبنا، فيقول: كيف تتصرف المحارة لتصنع لؤلؤة؟ في البداية ثمة ذرة رمل تسقط في قوقعتها· وذرة الرمل هذه تشكل صعوبة للمحاراة· إنها تحكها وتؤذيها فتفكر المحارة في كيفية التخلص منها· وإذ لا تستطيع قذفها خارج قوقعتها، فإنها تبدأ في تغليفها بمادة ملساء هي جزء من طبيعة إفرازاتها· فتتكون اللؤلؤة التي نعرفها· ثم ينبهنا إلى أن: منذ آلاف السنين يقوم المحار بتثقيف البشر لكنهم لم يدركوا بعد العبرة من ذلك·· ولو أدركوا تلك العبرة لتوصلوا الى تغليف مصاعبهم وكل ما يعاكسهم داخل مادة مضيئة لطيفة قزحية الألوان· ولأنه يدرك أن البشر قد لا ينتفعون من حكمة المحارة فإنه يخاطبنا مباشرة، فيقول: بدلاً من أن تتذمر وتراوح مكانك وتعذب نفسك بسبب مشكلة تعترضك، ولا تصنع شيئاً سوى اليأس والحزن، حاول أن تفرز تلك المادة الخاصة التي تستطيع بها تغليف مصاعبك· فعندما تجد نفسك أمام حدث عسير، أو أمام شخص لا يطاق، افرح وقل هذه ذرة أخرى من الرمل، وهذه لؤلؤة جديدة تتراءى في المستقبل! لكننا أمام هذه النصيحة النادرة قد نتساءل من أين لنا بتلك المادة الشبيهة بمادة المحارة؟ الاجابة تكمن في أن المادة اللطيفة تلك تكتنز بها طاقة أدمغتنا وأرواحنا حين ندرك جوهر حياتنا وأهميتها بالنسبة لنا وللآخرين الذين نتبادل معهم المحبة· وندرك أيضاً أن المصاعب هي جزء من وجودنا في الحياة، وأن مسيرة وجودنا ليست معبدة الطرق دائماً· وأن طموحاتنا كلما ارتقت وتشعبت كلما كان طريق تحققها محفوفاً بالمصاعب، فثمة ما يعيق دائما، لكن ثمة أيضاً قدرة فائقة لدى الكائن الإنساني يستطيع حين يعي ذاته وطاقتها، توظيفها لتجاوز مصاعبه، والسير في طرقات الحياة بتصميم وإرادة ووعي وانتباه!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء