صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر -1

ناصر الظاهري

من البلدان التي لا يمل المرء من تكرار السفر إليها إيطاليا، بلد يدهشك على الدوام، ويقدم لك مدنه كأطباق إيطالية تشتهى، ولا تنتقى، كل مدينة بطابعها، وحسها ورونقها، لا يجمعها إلا تلك اللمسة الإيطالية الراقية، مدن على البحر، مدن على السهل في الداخل، مدن على الجبل متطرفة، مدن هادئة هدوء بحيراتها، تحد إيطاليا بلدان عديدة، لكنها لا تأخذ منها شيئاً، فما لإيطاليا لإيطاليا، بكل تشكيلها وتكوينها الضارب جذراً في عصر النهضة، بل ما زالت هناك مدن كفلورنسا تشعرك أنها لم تنفصل عن عصرها الأول، ورومانسية ذاك الوقت الذي وسم المدينة بميسم من الجمال والذوق، فلم تقدر أن تغادر ألوانها ولا إطارها المذهب العتيق كلوحة على جدار الزمن. تنتقل من مدينة إلى أخرى، وإيطاليا تهدي زائريها ما تخبئ مدنها من دهشة ومتعة ووقت يمر سراعاً، غير أن ليس هناك من جمال مطروح على مدى البصر، مثلما هي تلك الأماكن المتناثرة على الحدود السويسرية الإيطالية، جمال تكتحل به العين مرة، فلا ترمد أبداً.
سيصادفك شارع في مدن إيطاليا على اسم أحد سياسييها التاريخيين «غاريبالدي»، هذا عادة يضم المطاعم الصغيرة رفيعة المستوى، ويضم مقاهي لها تاريخها الممتد منذ أيام النضال والكفاح المسلح والاقتتال الأهلي، وما مرت به المدن من مآسٍ فرضتها الظروف، وسنّ لها الرجال أسنان الحرب الضروس، وحوانيت ممهورة بسنوات إنشائها قبل قرنين ويزيد، دكان عطار قديم، محل تأجير ملابس للعروض المسرحية والحفلات، دكان لعجوز تبيع هدوباً وخيوطاً ملونة، هناك محلات يتوارثها أفراد العائلات ولا يبيعونها، لأنها جزء من تاريخ المدينة، في كل شوارع إيطاليا التي تحمل اسم «غاريبالدي»، هناك جمال إيطالي تتنازعه ملاحة البحر الأبيض المتوسط، وبرودة اللون الكنسي، وما فتحت روما من بلدان، وما جلبت جيوشها من شجعان ليروضوا في ساحات العراك والصراع. للجمال الإيطالي ميزة، أنه لا يشبه إلا حاله، حتى الرجال لهم تلك الوسامة العلامة، والتي عادة ما تكون مفتاحاً للنصب، فهي وتلك الشقاوة التي تسكن الإيطالي فارضة على نفسه نوعاً من المرح الدائم والثرثرة التي لا تنقطع، وتلك الطيبة التي تميز المدن البحرية المفتوحة، وتميز سكانها المغامرين نحو بحار لا يعرفونها، ولا ينفرون من الغرباء، وقد يشاركونهم ملذات الطاولة الخشبية الممددة في حدائق منازلهم، تجعل من الإيطالي شخصاً محبباً ومقبولاً.
قد يكون الإيطالي فيه خفّة رجل الموانئ، طلق اللسان خفيف الروح واليد، قد يكون ماكراً، نزقاً، مداهناً، قادراً على بيعك أشياء غير ضرورية في ذلك الوقت، لكنه لا يعدم أن يكون ودوداً متودداً، ولو شاءت الظروف واختلف منطقها، لقبلت أن يكون صديقاً لك تصطحبه معك في أسفار لم تخطط لها.. ونكمل.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء