في آخر سنوات حكم السادات بعد زيارته الشهيرة لإسرائيل، وتداعياتها في شق الصف العربي، وانقسام الدول العربية إلى جبهتين: “جبهة الصمود والتصدي” و”جبهة لا مع ولا ضد” والحرب الإعلامية بين السادات والأنظمة العربية التي وصلت إلى الشتائم والهجاء ورمي المحصنات، وفتح السادات عليه حينها أكثر من جبهة، داخلية وخارجية، كانت لنا زيارة إلى مصر في صيفها الساخن ذاك، والذي غابت فيه لأول مرة طريقة الترحيب الاعتيادية بالنكهة المصرية “نورت مصر يا باشا”. كانت الأجواء متكهربة، ولا تعرف من معك، ومن ضدك، تجد المصري يقذع في سب السادات وسياسته الانفتاحية، وصلحه المنفرد مع إسرائيل، وحين نشترك نحن العرب في النقاش الدائر، كعادة قديمة معروفة عن مصر القومية، وأهلها المضيافين في احتضان السياسيين العرب والمثقفين والمطاردين، وتحمل كل أعبائهم وآرائهم ومواقفهم، يخرج فجأة ذلك الذي كان يكيل السب قبل قليل ليتحول فجأة إلى حارس مرمى مصر، ولا يعجبه أن ننقد حتى سياسة السادات، يومها في ذلك الصيف قلنا: إن القاهرة تغير حالها، وتغيرت علينا، وطلبنا الفرار كل إلى وجهة، قد تتحمل ثقل صيفنا. لكن المضايقات بدأت تزداد، وحسب خطب السادات النارية، ولمن وجّه هذه المرة قذائف قدحه، وحين وصلت القاذفات إلى دول الخليج، قلنا وصلت الحلقة البطان، خاصة بعد أن تناهت لمسامع الجميع، أنهم يلقون القبض على كل ملتحٍ، فتحسسنا بداية الشعر النابت، فتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين ستوصلك إلى ليمان طره، وإن رأوا لحيتك وفحشك وبعدك عن الفروض، كانت التهمة أشد وأنكل، فالانتماء إلى الماركسيين سيوصلك إلى سجن الواحات، وأيامها لم يسلم بيت في مصر لم يدخل أحد أفراده إلى السجون الكثيرة بتهمة جاهزة أو باطلة أو مدبرة. في ذلك الصيف، لأول مرة نركب سيارة الشرطة الزرقاء التي لم نعتقد أنها موجودة إلا في الأفلام، ولا تظهر إلا في نهاية الفيلم، وحين يكون فريد شوقي قد تعب من الضرب، ومحمود المليجي يريد أن يرتاح هو وعصابته. في ذلك الصيف، كانت غمامة سوداء ثقيلة تغطي سماء القاهرة، كانت تنذر بالكثير، وحدنا نحن أصحاب العمر الغض، كنا نريد أن نقضي صيفنا في مصر، حتى لو لم نسمع تلك العبارة الترحيبية المألوفة: “نورت القاهرة يا بيه”!