صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

سائليني يا شآم··

بهذا العنوان الفيروزي، نحتفل مع دمشق عاصمة للثقافة العربية، بطعم فيروز، وهو طعم آخر، خاص، فريد، وحضور عال لامتعال، فاعل ومتفاعل مع الحدث من خلال ''صح النوم'' تلك المسرحية الفيروزية التي تعود بها فيروز إلى دمشق بعد غياب دام لأكثر من عشرين عاماً ويزيد· قالوا لفيروز لاتذهبي هناك·· وردت فيروز: هناك هو هنا·· واللبيب السياسي اللبناني بالإشارة يفهم، ففيروز خارج إطار المناكفات السياسية والحزبية، والثقافة العربية أكبر من ثقافة الحزب والجبهة والفئة· لعلها 22 اذار ''حاصل جمع 8 ، 14 اذار'' لطموحات شعب كامل نحو الحرية والوحدة والاستقلال والتحرير، فيروز هي ديمومة الأرزة، وصوت المقاومة، ورمز الصمود، وقمر مشغرة، غنت للمدن، وتجنبت ولاتها، غنت للقيم السامية في الحياة، وصمتت وقت الحرب، غنت للناس الطيبين أمثال حنّا السكران، وشادي الذي غاب في بياض الثلج والطفولة· فيروز درة كل العواصم، وأنشودة كل القصائد، ووهج الحرف في ثقافتنا، ومواويلنا وأهازيجنا، فكيف لها أن تدعى من القلب، ولا تلبي الدعوة قلباً لقلب، سواء أكان المكان دار الأوبرا أم أطلال تدمر، وحتى ملعب العباسيين في عاصمة الأمويين· دمشق تحمل هذ اللقب بعد إحدى عشرة مدينة عربية نالت شرف هذا التتويج كعواصم ثقافية، بدءاً من القاهرة عام 1996 ثم تونس والشارقة، بيروت، الرياض، الكويت، عمان وصنعاء، الخرطوم، مسقط، والجزائر، لكن دمشق وكما قال الشاعر الكبير نزار قباني: ''دمشق ليست سيفا أموياً، على جدار العروبة··أنها العروبة نفسها'' لذا فصباح دمشق الثقافي·· فنجان من قهوة حلوة على تخوم قاسيون، وإطلالة صوب الجولان، وقطوف من عنب الغوطة، ومساء دمشق الثقافي أوبرا وتقاسيم ''عابد عازرية'' القادم من صقيع الغرب مهاجراً من الهجرة إلى موطئ القلب في مصالحة تاريخية بين مواطن غاب عن وطنه 40 عاماً، ووطن يتسع للجميع رغم كل شيء· ومع صباح دمشق نصحو فلا نجد بداً مما ليس منه بد: استعراض شموس دمشقية غابت عن المشهد، وظلت حية في القلب والوجدان: نزار قباني، محمد الماغوط، ممدوح عدوان، سعد الله ونوس، فماذا نقول عنهم في مثل هذه المناسبة لنترك الحديث لأحدهم يتحدث عن أحدهم: يقول الشاعر الراحل ممدوح عدوان عن الشاعر الراحل نزار قباني: تعلمنا، نحن جيل القراء والشعراء والغاوين التابعين لنزار قباني، أموراً ما كان لغير نزار أن يعلمنا أياها، وما كنا لنقبل أن نتعلمها من غيره! منها: كيف تستطيع أن تموت مرتاح الضمير، والعقل، والجسد، حين لا تترك كلمة محبوسة في قلبك، وحين لا تصمت في موقف يقتضي منك الكلام الشجاع، والتضحية من أجل موقفك، ومبادئك، وأنك حين تموت بعد ذلك تبكيك أمة بأسرها· هكذا يأتي الاحتفال في دمشق ليس فقط برنامجاً من الفعاليات الثقافية والفنية، بل لتمثيل عودة الروح إلى الجسد، والحرف إلى القصيد، والسيف الدمشقي إلى الغمد، والجموح إلى جواد الحركة الثقافية العربية، والعود إلى وتره الرنان·· وسائليني يا شآم·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء