في وسط كل مدينة من مدننا، تجد اللوحات الارشادية تفترش الفضاء الوسيع، مزدحمة بالأسهم والاشارات التي تحتاج إلى عالم جغرافيا، يفك رموزها ويحل عقدها، فلو كنت تستقل سيارتك وتريد أن تغادر إلى مكان ما لا تعرفه ولم يسبق أن عرفت طريقه، فإنك سوف تقع في خضم غابات من اللوحات الارشادية التي تقودك إلى التيه والضياع، وبطبيعة الحال فإن الطرق السريعة لن تجد فيها من يقول لك السلام عليكم، ولن يلتفت إليك أحد، لأن الناس في حال الطيران والتحليق فلا أحد لديه وقت يضيّعه من أجل إنسان فقد البوصلة، وتاهت به السبل، وأصبح بلا دليل، ولا خليل، ولا سبيل.. ماذا تفعل؟ تضطر أن توقف محرك سيارتك، وتقف على جانب الطريق، وهدير السيارات العابرات السابحات يختزن مسامعك، ويزيدك قلقاً لأنك تصر على معاينة الطريق والنظر إلى اللوحات العريضة الطويلة، وتحاول جاهداً أن تعرف هذا السهم يتجه إلى أين، وذاك السهم ينحرف إلى أي سبيل، ولا سبيل لك غير أن تكظم غيظك، وتتلفت يمنة ويسرة، وترى الفراغ الوسيع يلتهم بصرك وبصيرتك، وأحياناً تلوم نفسك لماذا فكرت في السفر إلى ذاك المكان البعيد الغامض، وأحياناً توبخ الذين وضعوا هذه اللوحات، ولم يفكروا أبداً في وصف عشرات الأمكنة في لوحة واحدة.. بحيث لا تستطيع أن تعرف إلى أي مكان تريد هذه اللوحة أن تدلك. وكيف ستصل إلى المكان الذي تريد وأنت لا تعرف أن تختار من بين الأمكنة العديدة، مكانك المطلوب الوصول إليه.. ويزيد الأمر مرارة عندما تكون على موعد مع صديق، أو أنك تريد أن تلحق بوقت اجتماع أو محاضرة أو حفل، فإن الوقت يمر وتلتهمك الدقائق التي تمر بسرعة البرق، وأنت لا زلت تتهجى رمز اللوحات الارشادية، الصامدة كالجبال الشم، دون أن تنطق بكلمة تساعدك على فهم ما تمتلئ به من أسماء مدن وقرى وحوار وشوارع وأزقة. أتمنى من اخواننا في دوائر البلديات أن يرأفوا بالناس وأن يزرعوا اللوحات التي تدل على معنى وتوضح مغزى وتفسر اتجاهات الطرق، بشكل يتلاءم مع ضرورة معرفة الطريق. أما أن تصبح اللوحات منحنيات وأقواسا، وأسهما ما أنزل الله بها من سلطان، فهذه لا تحل عقدة ولا ترشد غريباً، بل إن وجودها أكثر غموضاً من عدمها.. فالمسافر إلى مدينة أو قرية ما، لا يحتاج إلى كل هذه التشابكات والتعقيدات في الدوائر الحلزونية للأسهم، فقط المسافر يريد ما يسهل له عناء البحث عن مكانه الذي يريد وسنقول لكم شكراً.