صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لا يفل الحديد إلا الحديد

أخطأ نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، وأهان السفير التركي ووبخه.. وتركيا لم ترسل صواريخ لضرب الإسرائيليين، ولم يصرح مسؤولوها كل على حدة، وعلى هواه، مندداً أو شاجباً.. تركيا وريثة الدولة العثمانية، ووليدة العلمانية، الواقعة عند شفة العالم العربي، والمحيطة لخاصرته، قال رئيسها عبد الله غول عبارة واحدة لا غير، وهي عبارة لا تصد ولا ترد، وهي أقوى من كل الاجتماعات والمؤتمرات والمفاوضات، والرحلات المكوكية.. الرجل أعطى إسرائيل مهلة 48 ساعة، وإلا سترد تركيا الرد المناسب.. وإسرائيل بطبعها، عرفت الرسالة وفهمتها جيداً، وتعرف جيداً أن تركيا الحليف القوي في المنطقة لأميركا، والذي قال كلمته أثناء القصف الإسرائيلي على غزة، رغم كل تلك العلاقات والمصالح والقواعد على أرض تركيا، إلا أن الكرامة التركية أبت أن تـُمس من قبل كيان، اعتاد على إهانة الضعفاء والمتشرذمين، والمتفرقين والقابضين على جمر الأمنيات التي لا تتحقق.. وتركيا دولة قوية بتاريخها وجغرافيتها، وعسكريتها، وموقفها الثابت تجاه قضاياه الخاصة بتضاريسها.. إذاً إسرائيل استجابت مرغمة، وأذعنت لمنطق القوة، كما هو مبدأها وطريقها التي سلكتها منذ “الوعد” وحتى آخر العهد.. إسرائيل لا تعرف قيماً ولا تقاليد، ولا صداقات غير المصالح المدعَّمة بالقوة العسكرية، وتركيا تعرف جيداً أين مربط الفرس لهذه الدولة، والتي أسست على أنقاض ضعف وتفرق عربي.. كان الاعتذار قاسياً على إسرائيل، وكان استقبال الأعذار مبهجاً ليس للأتراك وحدهم، بل لكل إنسان يعيش في هذه المنطقة ويعرف جيداً التعنت الإسرائيلي.. لأنه للمرة الأولى في تاريخ المنطقة نسمع عن اعتذار إسرائيل وليس لشيء أكثر من التوبيخ والتصرفات السلوكية، بينما إسرائيل نفسها تعربد، وتدمر، وتقتل، وتعصف، وتستبيح حرمات ومقدسات، ولا تجد ما يُجبرها على قول الاعتذار.. لأن المثل يقول: “قال من أمرك.. قال من نهاك”.. فإسرائيل ليست قوية إلا بضعف الآخرين، وإسرائيل ليست متزمتة إلا بتهاون الآخرين، وإسرائيل ليست مبالية إلا بصمت الآخرين. هذه المرة جاء الصوت العالي من الباب العالي، من تركيا، وكل ما نتمناه أن يكون الدرس وافياً شافياً، ويصل بإشاراته إلى من يعنيهم الأمر، وإلى من يذوقون يومياً سوء العذاب، على يد إسرائيل المعتذرة دوماً لتركيا، المتنكرة دوماً لأفعالها معنا.. أتمنى أن تكون سابقة ذات دلالة، وأن يكون فهمنا للدرس التركي جميعاً أن القضية تحتاج إلى موقف ثابت وواضح، تحتاج إلى من يقول لا، ولو لمرة واحدة، لأن إسرائيل لا تستمع إلا لطرقات الأخف الثقيلة.. لقد ضُرب العرب مرات ومرات عندما قالوا نعم.. ليقولوا ولو لمرة واحدة لا.. فعسى أن تنفع وتشفع وتمنع كل هذا التجبر الإسرائيلي.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء