الكلمة رسالة الضمير والقلب والوجدان، تجري على اللسان، تكون أحياناً صرخة في وجه ظلم، وبلسماً لجراح نازفة، وقناديل تضيء الطريق إلى كل ما يحيي النفس الإنسانية، وأحياناً أخرى سلاح تدمير، للإنسان والأمم، ووسيلة للإيقاع بين الإخوة في الإنسانية، وبين الأمم، فتتحول رسالة الكلمة من البناء إلى الهدم والتدمير. يُقال اللسان، تلك العضلة التي وراءها كل معضلة، وبهذا العضو الصغير يكشف الأطباء عن أمراض الجسد والحكماء عن أمراض النفس، ويقال «من كان كلامه لا يوافق عمله فإنما يوبخ نفسه». احذرْ لسانكَ أن تقوــــلَ فتُبتلــى إنّ البـــلاءَ مــــوكلٌ بالمنطــــقِ‏ يقال‏:‏ إن أول من قال إنَّ الْبَلاَءَ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِقِ هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فيما ذكره ابن عباس، قال‏:‏ حدثني علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما أمِر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر، فَدُفِعْنَا إلى مجلسٍ من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر وكان نَسَّابة فسلّم فردّوا عليه السلام، فقال‏:‏ ممن القوم‏؟‏ قالوا‏:‏ من ربيعة، فقال‏:‏ أمِنْ هامتها أم من لَهَازمها‏؟‏ قالوا‏:‏ من هامتها العظمى، قال‏:‏ فأيُّ هامتها العظمى أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ ذُهْلٌ الأكبر، قال‏:‏ أفمنكم عوف الذي يقال له لاَ حُرّ بِوَادِي عَوْف‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمنكم بِسْطَام ذو اللّواء ومنتهى الأحياء‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏؟‏ قال‏:‏ أفمنكم جَسّاس بن مُرّةَ حامي الذِّمار ومانِعُ الجار‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمنكم الحَوْفَزَان قاتل الملوك وسالبها أنفَسها‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمنكم المزدَلف صاحب العِمَامة الفَرْدة‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ أفأنتم أخوال الملوك من كِنْدَة‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ فلستم ذُهْلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام قد بَقَلَ وَجْههُ يقال له دغفل، فقال‏:‏ إنَّ علـــى ســــِائِلِنا أن نَســـــْأَلَه وَالْعِـــبْءُ لاَ تَعْرِفُـــهُ أوْ تَحْمِلَـــهُ يا هذا، إنك قد سألتنا فلم نكتمك شيئاً فمن الرجل أنت‏؟‏ قال‏:‏ رجل من قريش، قال‏:‏ بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قرش أنت‏؟‏ قال‏:‏ من تَيْم بن مُرَّة، قال‏:‏ أمْكَنْتَ واللّه الرامي من صفاء الثغرة، أفمنكم قُصَيّ بن كلاب الذي جَمَعَ القبائل من فِهْر وكان يُدْعَى مُجَمِّعا‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمنكم هاشم الذي هَشَم الثريدَ لقومه ورجالُ مكة مُسْنتُونَ عِجَاف‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمنكم شَيْبَةُ الحمدِ مُطْعم طير السماء الذي كأن في وجهه قمراً يضيء ليل الظلام الداجي‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمن المُفِيضين بالناس أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمن أهل النّدوة أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمن أهل الرِّفادة أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمن أهل الحِجَابة أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ أفمن أهل السقاية أنت‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ واجتذبَ أبو بكر زِمام ناقته فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال دغفل‏:‏ صادَفَ دَرأ السيل دَرْأً يصدعُهُ، أما واللّه لو نبتَّ لأخبرتك أنك من زَمَعَات قريش أو ما أنا بدغفل، قال‏:‏ فتبسَّم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال علي‏:‏ قلت لأبي بكر‏:‏ لقد وقَعْتَ من الأعرابي على باقِعَةٍ، قال‏:‏ أجَلْ إن لكل طامة طامة، وإن البلاء مُوَكَّل بالمنطق‏.‏ الشافعي: احفظ لسانكَ أيُّهـــــا الإنســــانُ لا يلــــدغنَّكَ إنــــهُ ثعبــــــــانُ كم في المقابرِ من قتيــلِ لســـانهِ كانت تــهابُ لقـــاءهُ الأقــــرانُ Esmaiel.Hasan@admedia.ae