رواية تتميز بأنها حبلى بمعانيها، جزلة “بريتمها” المتميز، إشارة إلى حداثتها، وبنمط الكتابة الروائية في الزمن الدارج الآن في الغرب، مما يقلدها مساراً آخر عما سبقها من روايات كتبها الأديب أنور الخطيب وما عرف عنه، إضافة إلى عالم الشعر والقصة وما رسمه لنفسه من تجارب أدبية وصحفية، وبهذه الحداثة يفر الكاتب بالقارئ من عالم إلى آخر ومن محطة إلى مناسبة، ومن مكان رئيسي كأبوظبي بمدلولها إلى دبي، ومن العين إلى بلدان أجنبية، لتبدو القضية الفلسطينية ذات مناخ يتمحور العالم حولها تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً. رواية الخطيب تمعن بأجواء الأمكنة وتفاصيلها الدقيقة، بيئية كانت أو مدناً شاخصة، فلا يتوارى عن طرح انسيابها اليومي وما يحمله من طقوس وأحلام وما يتبعه من أرق جسدي ونفسي، وبفلسفة قصصية تغدو ذات نمط، بلغة رشيقة تتماهى ما بين الراوي والغربة النفسية والاجتماعية التي يعيشها وما بين حضوره الثقافي في المشهد الفلسطيني. فالرواية تتمتع بعدة خطوط تارة تلتقي ومرات عدة تنفصل لتشكل تشابكاً حسياً ورابطاً مفصلياً. فعقد “كار نيليان” مثال لمونولوج نفسي يدلل به على الجوهر والخلاف التاريخي المبطن. البطلة تلك الفتاة القادمة من الغرب مثال آخر، لا تستوعب الطرف الآخر بسهولة، وهذا دلالة على ما يقدمه الإعلام الغربي من تشويه. أبوظبي مدينة عالمية وسط الصحراء، بطقوسها اليومية بحراك شوارعها وبرائحة ليلها، تظل كمدن العالم دلالة جغرافية لا تعني الاستقرار للآخر، ورغم ما تحمله من معاني الألفة والمحبة! وللصحراء دلالة أيضاً، تحتوي بني جلدتها ويتوق إليها كلما شعر بالأسى! بينما لا يشعر الغريب إلا بالخوف وعدم الاطمئنان. فصل فلسفي آخر يغذي الفكرة كما تغذيها صورة المخيمات وعلاقة المكان بالأمومة! فمن يعرف الكاتب جيداً، كم لو يأخذك بسهرة لتستشفه شخصياً ما بين التفاصيل، بكلماته الهادئة وطرافته، وبأحاسيسه نحو القضايا الثقافية والسياسية، لكن توظيفه للمخزون الثقافي الذي يتمتع به أضاف أبعاداً تجعلك ربما تكتشف الراوي من جديد! فالأديب أنور الخطيب أراد أن يمتع القارئ من خلال السرد المتكئ على التاريخ، الذي يشعل الأحداث من جديد ويوظفها من أجل خلق أرض صلبة ثم يسقط عليها فضاءات مرنة قابلة لاستعادة نفسها من جديد، فالكاتب يرصد الأحداث الآنية بطريقة دقيقة ويعيدها للتاريخ للنبع الأول، ومن خلال المونولوج الروائي الذي يجسد الشعر كلغة بديلة عن لغة السياسة وبنبض آخر يتحدث عن السلام الممكن إذا ما تخلص العالم من الإرث العدائي المستفحل! وإذا ما ابتعد السياسيون عن التنظير بما له من مأرب آخر منها تأجيج الصراع من أجل مصالح مطلقة عابثة بالقيم وبدماء الشعوب. ويستحضر الكاتب الديانات والرسل والملل كدلالة للفهم والمحبة، إلا أنها عوامل أراد من أراد توظيفها في سياق العبث بين الشعوب!