صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر -1-

بيروت الجميلة والتعب والناس الطيبون، بيروت صباحات من ندى ونسائم تعرف طرقها للنفس، وتصاعدها للرأس نشوة وسُكراً، بيروت مساءات من ضوع للماكثات قبالة العين تسرق من حُسنهن حُسناً.
بيروت وكم مرة كنت في بيروت، وقلت: آه يا بيروت، آه.. فرحاً بها، وما تحضّك عليه من أمر الكتابة، وفعل الغواية باتجاه الحرف والحب وما يمكن أن يسطروا، وآه.. منها لأنها تستولي عليك، وقلما تسمح لك بالمغامرة لجهة أخرى للحلم وللسفر، الآن أتذكرها، وأتذكر صباحات أتمناها ليتها تبقى:
صباح لقمة الصباح البسيطة، “منئوشة من سناك حماده”، الشاي الأحمر الذي يصنعه “عبد” على عجل، والذي يشبه شاي العمال الفجري، ضحكة “مريان” التي تخبئها لك خلف الباب، تلك “مريان” قبل أن تتزوج، ويخبئها الرجل الجديد والأولاد عنا، مكتب جريدة الاتحاد في بناية “صباغ”، حد مقهى “الأكسبرس” سابقاً، “بيتزا هت” حالياً، موقف السيارات المكتظ، وتلك الصعدة التي تحتاج إلى مهارة سائق متمرس، لا بنت بيروتية تحاول أن لا تزعج دوّاسة سيارتها النسائية، ولا تؤذي حذاءها ذا الكعب الرنّان.
الوجوه التي تستقبلك في خاصرة “شارع الحمرا” صاحب كشك الكتب الذي نزعوه من زاويته، وركنته المقابلة للـ”ومبي”، حيث شهد أحداث بيروت، واجتياحها، ووقفة العز، واليوم كما غاب كشك بائع الكتب، غاب الـ”ومبي” وغاب” الـ”مودكا”، حيث يمكنك أن تسمع ثرثرة مثقفي بيروت، وزوارها وأخبارها، ودخانها، واليوم غدت “بوتيكات” باردة، تقترح أشكال ملابس لأناس قليلاً ما يأتون، وإن أتوا لا يشترون.
ماسح الأحذية العراقي بعينه الكريمة، تلك التي يبصر بها وحدها، ويقول لك: فردة شمال، تلك التي يعرف أن يمسحها، فوحدها التي تراها العين الميتة حين يجثو الرأس، ويقارب موطأ القدم، والأخرس بائع اليانصيب، تتفاءل به، وبعافيته، لكنه لا يربّحك مرة، لتعطيه ما تعده به دائماً، البنك المرابي المختبئ منذ ويلات الحرب، لا يخصه إلا مال التحويلات، لقد بقي ذلك البنك قابعاً في زاويته في الطابق المسروق، يئن من رطوبة لا تزول حتى بعد أن عادت المدينة لرشدها، وأسكتت أصوات الرصاص، فضل أن يبقى مختبئاً يمارس الربا بحرفته القديمة، لا يملك جهازاً كمبيوترياً، ولا آلة للسحب النقدي، ولا يعترف ببطاقة ائتمان.
صباح الصديق المشتكي دائماً من أوجاع لا تخف، أوجاع آنية، وأخرى متوقعة وأخرى مقترحة، أوجاع الصحافة، وأثقال العائلة، ورسوم المدارس، وأعطال سيارته، وطلبات زوجته، وسفرات مديره المتكررة لبيروت، والأوامر المستعجلة التي تأتيه بشكل مفاجئ من أهل الخليج، وكثرة مشاريعهم المتسرعة، كأن يريدوا بناء قصور في مصايف لبنان، وهم لا يملكون حساباً بالدولار.. وغداً نكمل.


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء