صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الرجل الذي..

واقفا على جبل النهايات يكاد ينزلق من حافة الدنيا ويموت. الرجل الذي، بعد مسير طويل، وبعد رحلة التعب وتجاوز المنعطفات، وجد نفسه في مواجهة الفراغ ولغزه الكبير. كأن العمر ترحال بين فراغين، حين يولد الناسُ ويدخلون في المعنى سنينا، ثم يخرجون منه موتى حاملين أسئلتهم معهم بلا إجابة أو رد. واقفا على جبل من الذهب، عاش يكنزه سنين طويلة، والآن يسقط عنه مدحوراً بلا بريق ولاجاه. الرجل الذي، في يده كان يجري مال الأرض كله، لكنه يعيش الحرمان كله. مستبخلا على نفسه وعلى الجائعين كسرة الخبز. مسترسلا في لعبة المال يعده عدا ويجمعه نقدا. مجلودا بسياط الجشع، يئنّ في الليالي إن رأى يد الخير تمتد إلى المحرومين فتكويه الحسرة، وينخر عظامه الطمع إلى أن يموت من كثرة العض على شفتيه. واقفا على الجسر بين ضفتين لا يعرف هل يذهب أم يعود. الرجل الذي طعنته الحيرة وفصمته نصفين، يمشي في الحياة لا يعرف هل يتبع همس قلبه، أم يلاحق صوت العقل العائد إليه كصدى. متناسياً أنه كلٌ، وأن الذهاب والإياب يكتملان في دائرة العمر، فيكون مكان الماضي زمناً في المستقبل، وتكون الخطوة المطبوعة على الأرض البكر، استمرارا للأصل وليس انفصالاً عنه. واقفا على حبل يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال لكنه لا يسقط من علٍ. الرجل الذي يدرك أن المصير مسيرٌ يتعرّج كالنهر في أرض جرداء وصلدة، وأن السفن تغيّر اتجاهها إن لاطمتها الموجة أو عاندتها الريح، لكنها تصلُ في النهاية متهادية إلى شط الأمان، بينما آخرون حين يرفعون شراع الغرور، ترتطم مقدمات سفنهم بالصخر، وتتكسر مجاديفهم في بحر العناد، وهؤلاء لا يصلون أبدا، وليس لهم منتظرون. واقفا على الطريق منتظرا قطار الخلاص يحمله إلى جنة رآها في الحلم. الرجل الذي نسي أن له رجلين يمكن أن يعبر بهما الأرض عشرين مرة، ويدين يمكن أن تحملان الجبال. تحاصره فكرة النعيم في المستقبل، فينسى «اللحظة الآن» التي هي الزمن كله. يعبر من أمامه الصاعدون إلى رؤية الشمس يحملون على ظهورهم أحلامهم الصغيرة، متلذذين بالسعي والتعب والمجاهدة في التغلّب على فكرة اليأس. وسوف يمر العمر كله من غير أن يدرك أن قطار الخلاص لا يأتي لمن يقفون منتظرين في الظل. واقفا تحت شرفة الحبيبة يناجيها في غلس الليل والناس نيام. الرجل الذي لا يملك سوى كلمات العشق يرسلها مطبوعة في رسائل الحب مستغيثا بالنجوم متخذا القمر مرآة لقلبه. لكنه إن طلع الصباح يختفي في غرفة الحذر، وتختفي كلماته معه. ولم يحدث، ولم يسجل التاريخ يوما، أن أحدا من هؤلاء الذين يقفون تحت الشبابيك قد حقق حلمه بلقاء، وأقصى ما يصلون إليه هو العثور على منديل ساقط في ليلة ريح. واقفا في وجه موجة تردّني مرة وأردّها مرات البحر أرضي.. ذاهبا لحبيبتي معاً نعبر الدنيا قمرين بين المجرّات akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

المجمع الثقافي

قبل 4 أيام

الحدود الواهية

قبل أسبوع

حبيب الصايغ

قبل أسبوعين

سيدة المحطة

قبل 3 أسابيع

خطوة العقل

قبل شهر

مجهر الحب

قبل شهر

حصّالة الصبر

قبل شهر

صعود الفيلسوف

قبل شهرين
كتاب وآراء