لو اختار مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي أن يبقى في إطار صيغة احتفالية، فلن يخسر شيئاً من نجاحه المقدّر. فحفلة استقبال كبرى، مدتها عشرة أيام، هي بحد ذاتها وصفة نجاح، خصوصاً أنها تستعير من أبوظبي، مطلقة الحدث وحاضنته، ألقها الثقافي المكرّس، فضلاً عما يوفره حضور عشرات النجوم من لمعان وبريق. وقد جرّب المهرجان، في دورتيه السابقتين، صيغة جمعت بين الاحتفالية والمهنية، استطاعت أن ترسّخ حضوره المهرجاني أولاً، ودوره في صناعة الفن السابع ثانياً. لكن خيار إدارة المهرجان، والهيئة المشرفة عليه، إحداث نقلة نوعية باتجاه الاحترافية، مثلت حدثاً داخل الحدث. لقد أخذ على هذه الدورة انطلاقتها المتواضعة، كما جرى في حفلة الافتتاح المختصرة والمقتصرة.. لكن تلك الحفلة، بدت وكأنها محمّلة برسالة إلى كل من يعنيهم الأمر، بأن حدثاً سينمائياً بحجم مهرجان الشرق الأوسط، هو ورشة عمل تترجم نفسها في عروضه وفعالياته. وهذا ما ظهر خلال عشرة أيام، داخل الصالات المعتمة وفوق مناضد الندوات والمحاضرات. وهو ما دعا البعض، ممن يجيدون طرح الأسئلة حمالة الأوجه، إلى طرح سؤال بدا استفهامياً: هل يحتاج بلد، لا توجد فيه صناعة سينمائية، وبداياتها على المستويين الفني والبشري ما زالت ندية.. إلى مثل هذا الجهد الاستثنائي؟ لكن إجابة هذا السؤال تكمن في حمولته. فإطلاق حركة سينمائية، فاعلة، تواكب الحراك الثقافي الثري الذي تشهده أبوظبي، يحتاج إلى جهد استثنائي. فالمهرجان، في وجهه المحلي، يمثل البنية التحتية الضرورية لحركة سينمائية تكمل الفنون السبعة، التي تجد في العاصمة الإماراتية، وفي الإمارات السبعة، مناخاً مواتياً وبيئة حاضنة. ولتلك البنية التحتية حلقات مترابطة، من التمويل إلى الإنتاج إلى التأهيل التقني والأكاديمي، تعبّر عنها مبادرات مثل مؤتمر «ذي سيركل» السنوي، ومسابقة «أفلام من الإمارات»، التي يستفيد منها طلبة ومحترفون. هذا، وغيره، يكسب المهرجان صفة الاحترافية من ناحية، ويؤكد صفة الدولية التي يتضمنها اسمه من ناحية أخرى. وهو ما يفترض تصنيفه ضمن المهرجانات العريقة، التي تمتلك تلك الصفتين.. وإن ذلك ليس ببعيد، كما يقول عارفون (...). ومع ذلك، فإن المسألة تحتاج إلى نقطة نظام. نقطة تقتضيها ظاهرة المهرجانات الثقافية الكبرى، ومن ضمنها السينمائية، التي «تجتاح» مدناً عربية. فتلك ظاهرة تكاد تكون تعبيراً أخاذاً عن نمط الرفاهية وسلوك الاستهلاك الذي تتسم به الحياة العصرية. وحينما تصبح مهمة الأحداث الثقافية المعتبرة، تعزيز مثل هذا الشكل المعيشي، فإنها تسلب من الثقافة جوهرها ومن الفن قيمته. وعلى الرغم من جاذبية ذلك النمط وإغراء ذلك السلوك، فإن القدرة على التجاوز هي خصيصة يتقنها الفنانون الحقيقيون والمثقفون الأصيلون.. وفي مهرجان أبوظبي السينمائي، وجدنا هذا وذاك، وذلك وتلك، ووجدنا أيضاً، لأول مرة، جمهوراً حقيقياً، ساعياً إلى الثقافة والمعرفة والمتعة، بحيث كان هو البطل الأول والأخير في كل أيام المهرجان. عادل علي adelk58@hotmail.com