صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مواطنون ولكن...

جَـلَسـت في ركنٍ هادئ استقرت به السكينة، وإن كان ما بها هو أشبه بما يسميه العلماء «بركان مشكوك فيه» فهي ملساء ولها مسام واضحة وفي عينيها وجدت عزة نفس رفيعة المستوى وسؤالاً لا تتبعه علامة من علامات الاستفهام بل التعجب، حيث قالت بعد التحية والملاطفات: «ممكن تقولي يادكتورة العلم والمعرفة أين يذهب أبناء المواطنات عندما تضيق بهم السبل وهذا وطنهم الأم؟». فحَضَرت جميع إشارات الاستنكار والترقب، فلقد صَرَحَت بذلك وهي مُفَنِدة للصمود والشموخ وإن دار تساؤلها في دوائر الألم. وشعرت بإحراج وتأنيب ضمير، فأنا أنام كل ليلة مؤمنة بصدق محبتي لخالقي وأهلي ووطني بينما لا تشاركني بعض بنات وطني هذه المشاعر الأساسية، فتختلي بهن الهواجس لتبعثر تجاعيد غير مألوفة حول ما تذرفه أعينهن وتنشر الشعر الأبيض تعبيراً عن موت الخلايا منتجة ألوان الشباب وتدخلُ أمور أخرى يعرفها الشوك في تفاصيل وجزئيات أيامهن. موضوع كهذا يسلب المرء راحة باله ويفتح شبابيك وبوابات الهم والوسواس للدخول والتجول «بدون» أجرٍ أو مقابل. وما أن حدقت في مجالات التفكير النظري والتطبيقي حتى قاطعتني قائلة: «لا يمر علي يوم من دون زيارة فكرة لا تفارق عقلي وتدب في تفاصيل دماغي كما يدب النمل أو النحل في خلاياه فينشغل البال حتى لا أطيق صوت رنين الهاتف فأقرأ الجرائد وأستمع لحوارات المذياع تحسباً لسماع خبر يأتي بالفرج، ماذا سيكون مصير أبنائي بعد أن تغمض عيني؟ كيف ستعيش بناتي في بلدٍ بعيد وغريب عن ما نشأن وترعرعن عليه؟ إلى متى سيعيش أبنائي بلا استقرار وأمان وهم مقبلون على سن الزواج والعمل والعطاء؟» إنها فطرة الإنسان تدعوه للرقي بحياة من سيتبعه من ولدٍ وبنت، وتخوف هذه السيدة في محله، وما انتقيت من أبيات للإمام ابن القيّم - رحمه الله – تقف على أطلال هذا الشأن دون سواه: ?وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ولم يكُ فيها منزل لك يُعلم ?وقد زعموا أن الغريـــب إذا نأى وشـطّتْ به أوطانُه فهو مُغرمُ لقد أثارت فكرة الوطن والهوية المعلقة وأدركت عظمة فكر المغفور له الشيخ زايد – طيب الله ثراه- في تناوله لمفهوم الوطن من وجهة نظر سابقة للعهد والأوان فلقد ربط –رحمه الله - بين تعريف ابن منظور للوطن على انه المنزل الذي تقيم به وهو موطن الإنسان ومحلّه فيعتبر الوطن منزل الإقامة، موقع الولادة وبوتقة الذكريات والبقعة التي تأهل فيها فتعكس وطنية المرء نسبة إليه وحبه وولائه لبقعة الأرض ومواقف سايرت نموه وتاريخه الخاص. وتكمن عبقريته «يعله الجنة» في غمس تلك الوطنية وروح الوطن، حيث أسهم الشعب في بناء الأمة فأغدق العطاء وسكّنهم في مساكن الهناء بعد الشقاء وغرس بذلك بذور وعمق جذور لا تلتقي مهما امتدت تعبر عن إخلاصنا وتفانينا في حبه وحب الوطن. ومذ فارقتها لم يفارقني الدعاء لها ولهم في كل صلاة وخلوّة وتأمل «يالله تديرها ولا تحيرها».

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء