تقوم بعض مكاتب التوظيف داخل الدولة بممارسات غير أخلاقية، وهي تسمح لنفسها بفرض شروط غير انسانية مجحفة على الطرف الضعيف، وهو هنا طالب الوظيفة، رغم أنها تحاول تغليف الأمر بصيغ قانونية من خلال العقود المبرمة، رافعة شعار «العقد شريعة المتعاقدين». أسوق هذه المقدمة للإشارة إلي وجه آخر من وجوه استغلال الناس وعرقهم يجرى تحت سمع وبصر القانون، وهو وجه لا يختلف في حقيقته عما يقوم به المتاجرون بالبشر، وأقصد هنا بعض شركات ومكاتب التوظيف وما تقوم به من ممارسات، وهي تستغل حاجة البعض إلي وظيفة وعمل يعول بها أسرته، ويساعد بها على تكوين نفسه. ولا يكاد يمر أسبوع إلا ويتصل بي شخص مر بتجربة تعامل مع بعض هذه المكاتب مستنكراً طلباتها وشروطها التي تتاجر بها بعرق الناس وكدهم. ومما يحز في النفس أن دوائر وجهات حكومية أصبحت تستعين بخدمات هذه المكاتب، وهي لا تدرك ربما ما تقوم به من استغلال بشع لطالب الوظيفة هنا أو هناك. أخبرني شخص في موقع مسؤول ما تعرضت له ابنته، وهي خريجة جامعية مواطنة في رحلتها للبحث عن وظيفة، وكيف واجهت في العديد من الأمكنة العبارة التقليدية الشهيرة» ضعي الطلب وسوف نتصل بك قريبا»، وقريبا هذه تتحول إلى شهور وسنين. الخريج الجديد الذي يعاني من أنيميا حادة في حرف«الواو» يواجه قضية عدم توافر الخبرة العملية ، وصاحب الخبرة والمؤهل الباحث عن تحسين ظروفه العملية، يسمع عبارة « اووفر كولايفايد» أي أنه يتمتع بمؤهلات أعلى من الوظيفة المتاحة، وكلها مبررات لزحلقة الملحين في رحلة البحث عن وظيفة. يقول الرجل إن رحلة ابنته وصلت إلي إحدي شركات التوظيف التي تلقفتها باهتمام باعتبارها جامعية ومواطنة وأرسلتها إلى جهة رسمية في وظيفة غير التخصص الذي تحمله. وبعد المقابلة اكتشفت أن عليها الموافقة على استقطاع نصف الراتب لصالح مكتب التوظيف الذي تعاقد مع الجهة المعنية «ب» لتوفير موظف أو موظفة واستلام كامل الراتب الذي يصل إلي ضعفي الراتب المخصص من الدائرة. ولم يمض يومان علي حديثي مع الرجل، إلا وطالعتني حالة أخرى مماثلة، ولكن هذه المرة مع مقيم عربي وجد وظيفة عن طريق أحد هذه المكاتب، وسعد كثيراً بالراتب قبل أن تتبخر فرحته بعد أن عرف بأن نصف الراتب سيذهب إلى مكتب التوظيف، لا عن الشهر أو الثلاثة أشهر اللاحقة، ولكن طيلة سريان عقد العمل. إن مكاتب التوظيف المتخصصة في جلب العمالة من الخارج كانت واحدة من أكثر الأدوات التي تسببت في تشويه سوق العمل وعلاقات العمال بعد أن كانت تمارس أساليب ملتوية في تعاملها مع العمال الذين تقوم بجلبهم والشركات التي تشغلهم، ولا سيما في قطاع البناء والمقاولات، ولكن وزارة العمل تصدت بحزم لهذه الممارسات، واعتقد أن الوقت قد حان لوقفة جادة مع هذه المكاتب وما تقوم به في شأن التوظيف المحلي، في وقت ندعو فيه الدوائر والوزارات للتعامل المباشر مع طالبي الوظائف من الخريجين، خاصة وأنها تضم أقساماً كبيرة للموارد البشرية.