صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يحبونا.. ولا ندري بهم!

هناك أناس يحبوننا ونحن لا ندري بهم، يخدموننا ونحن لا نرد لهم شيئاً حتى الشكر ولو جاء متأخراً لا يصلهم، وربما لا يحتاجونه، فقد كان عطاؤهم من القلب، ولشيء أغرموا به، وأضنوا حياتهم من أجله، هناك الكثير منهم، وهم المستعربون نسبة للغة والحضارة، ولا نقول المستشرقين ذلك المصطلح الذي يطرح إشكاليات ملتبسة خلال سنوات طويلة من صراع الحضارات، من بين هؤلاء المستعربين الذين حظينا باللقاء معهم في صيف أصيلة، ومؤخراً في الإمارات، المستعربة الإسبانية “لوث غارثيا كاستينيون” تلك التي شغفت بالحضارة العربية، وعشقت الناس والأوطان حتى سرقت منها حب الوطن الأول، كانت تجد نفسها في القاهرة وبغداد ومراكش، وفي كل مرة تنبري مدينة عربية فتعلن عليها العشق، ولا تستطيع هي الفكاك منه ومنها، من أجل تلك الأشياء التي تحضها عليها مدن العرب وناسها تحولت من دراسة الفلسفة إلى دراسة العربية، وحينما وجدت جمالياتها تلك التي كبحر زاخر أو بئر بلا قرار كما تقول، ظلت تنتقي بحب من السرد الأدبي العربي وتقدمه للإسبانية، تتعب حتى تقنع ناشراً أن يقبل بطباعة كتاب عن رواة وقصاصين عرب، كانت تقرأ الأشياء بحب، وتقنع بها بحب، نالت الدكتوراه الأولى في السرد العربي حيث تناولت القصاصين المصريين صنع الله إبراهيم، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، ونالت الدكتوراه الثانية في الأدب العربي بتناول القصاصين المغاربة أدريس الخوري، وخناثة بنونه، ومحمد زفزاف، استقرت طويلاً في بغداد ودرّست في جامعتها الأدب الإسباني، وشهدت حربها، وعملت إنطولوجيا عن القصة العراقية، نشرت كتاباً مقارناً بين قصص الأطفال العرب والإسبان، وكيف تقدم لهم الحروب الصليبية، اشتغلت على الترجمة التي تعدها عملاً إبداعياً قبل أن تكون نقل معاني الكلمات بلا روح الحضارة ولا وهج اللغة الأم.
هؤلاء العشاق الذين يحبوننا دون أن ندري، لا يكتفون بذلك الحب الذي يمكن أن ينتهي عند حد، لذا أقامت “لوث غارثيا كاستينيون” معارض لصورها الفوتوغرافية الفنية المستوحاة من البلدان العربية، ومقتنياتها من الثياب والسجاد التقليدي والعاديات والتشكيل العربي، وطافت به مدن إسبانيا والبرتغال، فقط لتقول للناس هذا جزء من عشقي وجنوني وحياتي التي أعدها زاخرة بأشياء كثيرة جميلة وملونة.
كوكبة المستعربين الذين خدموا الحضارة العربية وآدابها وثقافتها طويلة، فمع لوث غارثيا كاستينيون يقف المستعربون الإسبان الكثر منهم إميليو جارثيا جوميث، والمستعربون الروس الكبار منهم التاريخيون والمعاصرون مثل فلاديمير شاغال، والفرنسيان جاك بيرك ولويس ماسينيون، والإيطالي فرانشيسكو غابريلي، والألماني ثيودور نيلدكه، والبريطاني دينيس جونسون ديفيز، والقائمة تطول، ويصعب أن نفرق بين من نقل كتب التراث والفكر والفلسفة وبين من نقل الأعمال الإبداعية، فلهم الشكر.. وإن كان متأخراً، لأنهم أحبونا دون أن ندري!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء