كتب أحدهم على ظاهر سيارته من الخلف بحروف أجنبية ضخمة كمن يروج لمنتج تجاري هذه العبارة “أحِبَ الحياة التي تعيشها، وعش الحياة التي تحبها”، ظللت أتابع بعيني تلك السيارة كي ألتقط كامل العبارة، فأيقنت أننا مقبلون على مرحلة ترويج أفكارنا وقناعاتنا بشكل علني ومبتكر، يحاكي نموذج شركات ووكالات الإعلانات الضخمة التي تتخذ من وسائل النقل وواجهات البنايات وأجساد البشر وثيابهم منصات للترويج للمنتجات التجارية، وأياً كان الأمر فعبارة صاحب السيارة الذي بدا شاباً في مقتبل العمر جعلتني أفكر في تداعياتها طيلة يوم أمس، خاصة بعد أن قضيت معظم الوقت في بيت صديقة توفى والدها للتو، وقد استقبلت أثناء وجودي هناك رسالة نصية بدت لي مفاجأة بعض الشيء خاصة حين يكون مرسلها شاباً بالكاد ينهي ربيعه الثاني!!
تقول الرسالة: “حين أموت يا أمي فلا تحزني على تلك الأشياء التي كنت أريدها ولم أحققها، لكن اغفري لي عقوقي، وأنتم يا أصدقائي لا تذرفوا عليّ الكثير من الدمع، ولكن امنحوني الكثير من الدعاء، أما أنت يا من أحببتني فلا تسمح للحزن أن يكسرك بعدي، بل أكمل حياتك بدوني فذلك سيسعدني حتماً، وحين تنقطع أخباري عنكم لا تغضبوا، فقط اعذروني وسامحوني”.
هزتني الرسالة كثيراً وأخذتني بعيداً، خاصة وأنني في كل مرة أذهب فيها إلى عزاء أسمع الأحاديث نفسها وتصدمني المفارقات ذاتها، وهي أن هؤلاء الأصدقاء الذين يبدون في غاية التفاهم والانسجام لم يلتقوا منذ آخر عزاء كانوا فيه أو آخر عرس حضروه، وكأن جملة الحياة تكثفت إلى الدرجة التي أصبحت تحصر الناس بين حدي الثنائيات: الحزن والفرح، الموت والحياة، البداية والنهاية، الفراق واللقيا، أم أن هذه هي كل الحياة ونحن ننسى العنوان الرئيس في خضم التفاصيل!
ربما كان صاحب السيارة مؤمناً، وبشدة، بتلك العبارة التي جعلها شعاراً بعد أن ولى زمن عبارات الحب والغرام والقلب المجروح والعين الدامعة، اليوم يسهر الشباب على أمور أخرى ليس الحب أولها، فالمحبوبة ما عادت النجم البعيد الذي لا يطال، صار السكايب والايفون أشد سحراً من المصباح السحري، فضغطة واحدة تجعل الحبيبة ملء النظر، ولهذا ما عاد الناس يكتبون في بريد قراء الصحف شعراً ولا نثراً عن الغرام ولوعاته، ولذا بدت عبارة “أحب الحياة التي تعيشها وعش الحياة التي تريدها وتحبها”، أقرب للثورة منها إلى الفلسفة، فجيل اليوم لا يتفلسف ولا يحب الفلسفة، لا لقصور في التفكير ولكن لقصور في الوقت، وهو يريد أن يعيش كما يجب حتى في أحلك الظروف وحتى إن فارقنا من نحب، لأن الحياة تمضي ولا تتوقف!
المفهوم الثوري للحياة اليوم يقوم على قناعات مغايرة عما كان سائداً لدى أجيال سابقة تماهت كثيراً مع قضية التضحية والإيثار وأولوية العائلة والآخرين، أقول تماهت بمعنى ماعاد الشخص يفصل نفسه عن حيوات الآخرين الذين هم عائلته وأحياناً أصدقاؤه، فهم أولاً وهم آخراً وكأنه يعيش لهم أو يعيش نيابة عنهم، بينما يكتفي هو بفتات كل شيء: فتات المال والوقت والاهتمام والحب، معتقداً أن هذا هو الصواب فـ”الأقربون أولى بالمعروف”، و”أنت ومالك لأبيك”، وغير ذلك من النصوص الجليلة التي نحتاج لأن نقرأها بشكل صحيح لا بشكل فلكلوري، فالدين هو الحياة وهو الحق والإيجابية، وفي القرآن “رب اغفر لي ولوالدي...”، فقدم نفسه على والديه وليس في ذلك خطأ أو أنانية، فحين تحب نفسك وتعتني بها تصير أكثر قوة وإيجابية ومحبة، فتعطي أكثر وبشكل أقوى وأكثر توازناً من دون أي شعور بالظلم أو الضغط أو القهر، وعندها ستعيش الحياة كما تحبها لا كما يريدها الآخرون!



ayya-222@hotmail.com