صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

طبائع الاستفزاز·· هناك الكثير من الاستفزازات التي نتعرض لها منذ الصباح الباكر، بعضنا يقابلها ببرودة جبل الثلج، وببسمة صفراء لا يعرف الجميع تفسيرها، ويمضي في حال سبيله لا سائل من ضرب رأسه في الجدار ولا من شرب من البحر ولا من أكل هواء، بعضنا الآخر تجده شراً مستطيراً، حارّاً على الدوام، مستعداً أن يعارك طواحين الهواء والذباب الطائر، بعضنا الآخر يكتفي بنظرة ذات معنى دون أن ينبس بكلمة، والبعض الآخر إذا لم يتكلم مباشرة حيال تلك الاستفزازت التي تمر به، فسينفجر أو سيتوقف دمه أو سيذهب خطوتين إلى الأمام وسيمطر الفاعل بلعنات وسباب دون أن يسمعها، أو سيحاول أن يريه إياها بطريقة التمثيل الصامت، وقد لا يراه:
- تصادف في مصعد البيت أو مصعد العمل، شخصاً يعكوّر بسيجارته في تلك المساحة الضيقة، والتي يصعب فيها أخذ النفس، فما بالكم بالذي يكتم النفس، ويجحرك بعينه عند خروجه، وكأنك أنت الغلطان·
- تقف في الشارع خلف طابور طويل من السيارات عند الإشارة الحمراء، ولأن الطريق يؤدي إلى الأمام، تقف تلك السيارة التي تريد أن تنحرف يساراً معطلة عشرين سيارة وراءها، والمشكلة حين تفتح الإشارة الخضراء في وجهه، يظل يتلكأ ثم تربكه الزمامير التي خلفه فينطلق على مهله منحرفاً نحو الشمال لوحده، وعشرين مسبة خلفه تشيعه·
- آخر يريد أن يحشر سيارته الصالون، كحلية اللون، وسط السيارات المنطلقة في طريقها، ليحظى بشرف الدوران إلى الخلف وحده، لأنه تذكر شيئاً نسيه في البيت، أو لم يشتر ما أوصته عليه زوجته من السوبر ماركت·
- أما إذا ابتليت بكم من الغباء المستفحل عند بعض الناس، فصباحك صراخ وضجيج ورأسك صداع وطنين، والسبب انك تحاول أن تتحمل هذا الكم مما ابتلي به بعض الناس·
- قد تشاهد السيارة الواقفة جنبك، كيف أن سائقها يريد أن يتفحصك، ويتفحص ما بداخل سيارتك، ولو كانت تجلس جنبك زوجك المصون، وحين تطيل النظر فيه، لا يهتم إلا بأعمال الحفر والتنقيب في باطن جمجمته·
- أما إن كانت في السيارة فتاة لوحدها، وتوقفت سيارة الشاب أبو قذلة بجانبها، فستجده يطير ويحل، لا يستطيع أن يجلس في مكانه، متمنياً ألا تفتح الشارة عينها الخضراء·
- والاستفزاز يمكن أن يبدأ من البيت أو الزوجة، يومها، صباحك صباح ملون بالقتامة، وهي تعد عليك أحلامك وأضغاث أحلامك وكلامك في الليل، فالويل لك إن نطقت باسم ينتهي بتاء التأنيث أو له صلة بنون النسوة، ولو كانت بشكارة صديقك السيلانية، رأيتها في الحلم مهملة طفلته·
- أما إن كانت تريد سفراً قريباً أو هدية غالية، لأن أولادها نجحوا بفضلها، فسيكون الأمر مثل المطرقة على الرأس، في دخولك وأثناء جلوسك، وعند خروجك أو عبر هاتفك·
- أما إن كانت مبتلية بالوسواس الخناس، فالنكد والاستفزاز لك حين تصحو من نومها أنصاف الليالي، تشتكي من أمراض الوهم، تفكر في سن اليأس وأمراض الشيخوخة، وهشاشة العظام ومتاعب الغدة الدرقية، والأورام التي ينبغي فحصها كل ستة أشهر·
- كل هذه الأشياء تستفز يومك وتقلب مزاج النهار وتوترك، قبل أن تشرع في العمل وتقول بسم الله، وحين تضيق الدنيا في عينيك تتمنى لو أنك تعيش وحيداً في جزيرة نائية من جزر الكاريبي، تمشي حافياً، رأسمالك قميص مشجر وقبعة من القش ومركب صغير ينقلك من شاطئ إلى شاطئ، تتلذذ بأكلة بحرية وشراب تروبيكانا بارد، تنعم بقيلولة صغيرة تحت الشجر في مرجيحة معلقة بين غصن وجذع·
- أما إذا ظهرت تلك الأحلام المشروعة الملونة، وانطبعت على شاشة مخ الزوجة، فستجدها متحزمة بلباس الكاريبيات، غير ماشطة الشعر المجنون، تسبقك إلى تلك الجزيرة لتنغص عليك متعة البحر والشمس ومتابعة هرولة الخلاسيات الحافيات، وتعكر صفو اليوم الذي يمكن أن تقضيه بدون توتر أو استفزاز، ولو كان حلماً من أحلام اليقظة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء