صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الجبل الخامس

قبل أيام معدودات قرأت رواية الجبل الخامس “لباولو كويلو” والتي بدأت تثيرني حقا لدرجة انني احسب نفسي قد قرأت فيها نصوصا فلسفية ومقالات تشير الى تكوين الإنسان ونشأته الروحية والحياتية، فالرواية استفزتني بشكل لا شعوري، وأحدثت بداخلي حشدا من النقاش الحاد! لقد ناقشت الرواية طبيعة البشر وما يحكمها من قوانين، فإذا ما أنيط بالإنسان عمل ما أو مهمة وظيفية تراه يحسب للصعاب الجسام والفشل الف حساب، وما يؤرقه الحسابات والنتائج وما تفضي اليه، فما بالنا لو تصورنا ان ذلك الإنسان يعتقد أن الوظيفة ربانية ترقى إلى درجة “النبوة” وهي ذات الموضوعة التي تحدث عنها الراوي من خلال مفاهيم الرواية المستمدة من ذاكرة وثقافة تستشف ما يدور حول نبوءة “إيليا”. لقد طرحت الرسائل السماوية الاحتدام ما بين النور والظلام، الشرك والأيمان، فكانت المجابهة ما بين النبي “أيليا” وملكة مملكة “إسرائيل” الوثنية “إيزابيل”، ولكن ايليا يتراجع أمام قوتها وجبروتها فيهرب الى مملكة لبنان، ثم يواصل هناك حياته بشيء من الحذر الشديد حتى تعرف على المرأة الأرملة والتي مات رجلها وهو يشق الطرقات للمملكة! بعد قصة الهرب تبدأ الرواية تدور في محاور وتشعبات سلكها الراوي من أجل ان يجسد رؤى قد أختزلها، وثقافة قد استقى منها أفكاره، ولهذا نراه قد تعايش مع الحالة الروحانية التي يود إيصالها الى القارئ، وهي في ذات الإطار الذي سبق رواية الجبل الخامس من أعمال مشهورة لكويلو نابعة من الفلسفة نفسها أو في سياقها! كان هروب النبي إيليا يعني البحث عن مكان آمن لأحلام تود أن ترى النور، لآمال يحيكها الغموض وتغلفها المفاهيم الفلسفية، فالسعادة لديه مرتبطة بالأحلام وتحقيقها واذا ما تخلى المرء عنها تتبعه حالة من التردي الإبدي، لذا لم يكن أمام ايليا إلا خياران: اما عبادة إله الفينيقيين او الهرب من الموت! بل تخيل الموت امامه دائما كون الملكة من سائر الأنبياء في زمنه تود قتله، لذا قال إيليا للجندي بعد حصاره في الأسطبل “صوب سهمك فأنتظار الموت أشد عذابا من الموت نفسه”. تثير الرواية تلك الفكرة الفلسفية، ويشعر إيليا بالحيرة لسؤال ملح يقول” لماذا أصطفاه الرب لهذه المهمة الصعبة من دون الخلق!” و يستشف القارئ من خلال المونولوج الداخلي طرح الكاتب القائم على الفلسفة الدينية وحالة التصوف التي يقتبس منها من أجل تثبيت رؤاه وبراهينه الفكرية والإبداعية! ولم يكتف الكاتب “باولو كويلو” بل وجد في البطل ضالته ليقدم عملا رائعا ورواية تعد الأجمل بكل المقاييس الفنية، فمن حالة بائسة رسم حالة البطل المحبطة واحتقار الجميع له، واحتقاره لنفسه واعتقاده ان هناك من يموت من أجله، حتى لا يكون نبيا، ولهذا نراه يسير ضد قدره لكنه لم يفلح، لأن مكونه الذاتي والحياتي يشير الى الطريق الذي رسم له لا غير. أراد الكاتب أن يشرك الطبيعة مستمدا من الخيال لغة الماء والغراب ولغة الصحراء، لغات استمدت من لغة الأديان السماوية في الخطاب الديني، وكان أيليا يقاسي أمام الطبيعة والوديان والجبل الخامس، حتى المرأة التي أوته وقاومت الناس من أجله شعرت بالأخير أنه سبب موت طفلها! لكن بذلك اراد الكاتب ان يفتتح لروايته أفقا آخر!

الكاتب

أرشيف الكاتب

أيقونات السفر

قبل 6 أيام

الحقب الثقافية

قبل أسبوعين

جمالية الصمت

قبل شهرين

النفس المزمنة

قبل شهرين

الفبركة

قبل 3 أشهر

أثينا الجميلة

قبل 3 أشهر

الكراسي الشاغرة

قبل 4 أشهر

حديث الكتاب

قبل 4 أشهر
كتاب وآراء