صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لهجة بيضاء!

اللهجة العامية عندنا تغيرت، شأن الأشياء الكثيرة التي تغيرت في حياتنا، نتيجة لعوامل طارئة ومستحدثة، ونتيجة للتأثيرات الداخلية في المجتمع المحلي، وأخرى وافدة دخيلة أتى بها الداخلون والخارجون، لكن معظم هذه التغييرات كانت في المجمل سلبية، بحيث سحبت العامية لتكون لهجة متقاربة يحاول أن يفهمها الجميع ممن يعيشون في مجتمعنا، وقد ساهم الجيل الجديد المتعلم، والإعلام في تحريك العامية نحو اللغة الثالثة المتعارف عليها، والتي تنحو بين العربية الفصيحة الساكنة، والدارجة المحلية المتحركة، أو ما يسمى اللغة البيضاء، في حين ظل الكبار وحدهم هم المحافظون على المحلية القديمة الفصيحة، وبعض شعراء النبط المجيدين الذين لم يتأثروا في صباهم بمتغيرات لغوية· اليوم يتملكني الفضول في سماع الجيلين الجديد والصغير، كيف ينطقان العامية، وإلى أين يمكن أن يذهبا بها ؟! في النتيجة هي لهجة مختلفة، مهجّنة، متعددة الجذور، قاصدة الغربة والتغريب، وقد لا يبقى من قديمها إلا ما تحتفظ به الذاكرة الجمعية، وما تكنه صدور الغيورين عليها، وما يمكن أن يسربوه إلى عقول أبنائهم وأحفادهم· إلى هنا ويمكن أن نتحمل المسألة، لكن أن يسعى الجيل الجديد إلى تشويهها بقصد أو بجهل، فهو الأمر الذي علينا أن نتصدى له، سواء في وسائلنا الإعلامية التي لا نعول عليها كثيراً في هذا الجانب، فقد مرت سنوات كان كل المعلقين الرياضيين، وبعض المذيعين والممثلين يتكلمون ''كويتي''· إن تدوين القديم، وابتكار قواميس وطنية خاصة، يمكن أن يحفظاها للأجيال، ولا بأس من تدريسها وتعليمها وترسيخها في عقول النشء، خاصة فصيحها ومصطلحاتها التي جرت على ألسنة ناسها الأولين، كأمثال وأقوال في الحكمة، لأنها تمثل في الأول والآخر هوية هذا المجتمع، وخندقه الأخير في المحافظة على الشخصية المحلية، مثلها مثل اللبس، والأكل، والمسميات، والتسميات، ومتاع الحياة التي تميزنا عن الآخرين، وتعطينا هذه الخصوصية التي تبدو أنها هاربة إلى الأمام دون أن ندري إلى أين؟! إن ما نسمعه اليوم من ورود مصطلحات وتعابير مبتكرة ومكسّرة على ألسنة الجيل الطالع، تحتم علينا أن نتبصر، فمرة يجمعون الشامي بالمغربي، ومرة يطعّمونها بكلمات أجنبية، ومرة يكسّرونها كلغة نادل تايلاندي، ومرة أخرى يطلقون بعض التعابير الموسمية والمناسباتية، كلغة سرية، وذات شفرة خاصة فيما بينهم، ولا تعرف من أين يأتون بكل هذا؟! وحين يحب أحدهم أن يتفلسف بعامية مغرقة، وهي في غير محلها، تجده يستعمل ألفاظ أمه النسائية، أو مصطلحات خالته التي لا تمت للغة الرجال· إن العبث بالعامية، جرس نعلقه، لا هي دعوة شعوبية، ولا صرخة إقليمية، هي مسألة خصوصية مجتمع، وهوية، فمن يقرع الجرس في حدود المعقول ؟! لا نريد أن نتشدق بمحليتنا بداع ومن غير داع، ونعطيها تلك النبرة المغايرة، والمتعالية، كما يفعل البعض، ويعجبني هنا بعض الشعوب الذين تلتصق بهم لهجتهم ونبرتهم، فلا يستطيعون التخلص منها، ويسحبونها معهم إلى اللغات التي يتعلمونها، فالبحريني مثلاً لو تغرّب ثلاثين عاماً في بلاد الله، وأول ما يرجع إلى المنامة تكون اللهجة البحرينية الرطبة قد سبقته إلى هناك·· ونحن أربع سنوات في جامعات أميركا، ويرجع مبتعثنا متخربطاً بين لغة جديدة يحبها ويحبها الشارع ويحبها الجميع، وبين عربية متوارية ومحلية غريبة ومتغربة!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء