عندما كُنت صغيرة كُنت أسمع جدتي تردد عبارات لا أفهم معناها، فإذا سألت أمي عن ما كانت تقصده جدتي بتلك العبارات كانت تجيبني في كل مرة غداً تكبرين وتفهمين، وفعلاً كبرنا وعرفنا وفهمنا، ثم تمنينا لو أننا لم نكبر ولم نفهم، فالعُمر حين نكبر يصير أكثر اتساعاً كبحر مملوء بأشياء كثيرة، وكالبحر حكيم ومتطلب وصعب!! عندما بدأت أكبر سمعتهم يرددون دائماً أن الكبار حكماء وأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فحري به أن يسعى لامتلاكها، وحين سألتُ معلمة التربية الإسلامية عن معنى ذلك، قالت لي إن الحكمة هي المعنى المختصر لتلك الخُلاصات التي نحصل عليها من التجارب والمواقف والأسفار والكتب والقراءات والأشخاص والأماكن التي نمر بها ونراها ونقرؤها ونعبرها في حياتنا، أنها تحتاج إلى زمن لتنضج، عندها تخيلت الحكمة كطبخة شهية لابد لها من وقت كي تصير ممتعة أكثر! لكنني حين كبرت عرفت أن الحكمة كالنار تلتهم نزق القلب لتمنحه للعقل والروح، وأنه كلما كبرنا قلّ فرحنا وتضاءلت دهشتنا، لأننا نصير أكثر حكمة ورصانة.. عند ذلك تمنيت ألاّ أكبر حتى لا أفقد نزق الفرح في قلبي ودهشتي بالأشياء والتفاصيل، وحده الطفل يفتح فمه وعينيه منهدشاً تجاه الأشياء، ووحده يمارس الفرح الحقيقي لأنه لم يكبر ولم يصبح حكيماً بعد، يا إلهي كم عاش الفلاسفة في جحيم الحكمة. وفي كل مرة يُسافر إخوتي أو أحد معارفها وأقربائها كانت والدتي تقول إن “الإنسان مثل الطير ويعايب على الطير” بمعنى أن “الإنسان كالطائر ويسخر من الطيور” كنت أسأل عن مغزى الجملة وكانت تقول لي كالمعتاد ستفهمين عندما تكبرين، وحين كبرت سافرت حتى مللت الترحال، وكثيراً ما وقفت مودعة في المطارات ومستقبلة في صالات انتظار أخرى، ولطالما دفعت بحقائبي في محطات وركبت قطارات وغادرت محطات، حزنت كثيراً وفرحت أكثر، عشت لمة الأصحاب وفرح اللقاء كما عشت الوحدة وأسى الفراق، وأخيراً فهمت كيف أن الإنسان كطائر صغير ضعيف يحلق في كل الفضاءات ويُسافر في كل الدنيا، لكنه أبداً لا يقاوم حنين العش الأول، ولحظة الأنس بأحبته وأهله وبلده. كم منزل في الحي يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل الإنسان طائر حقيقي يحلق حتى آخر الدنيا، صباحاً يكون في أرض وبين أحبة، ثم يهبط عليه ليل آخر فإذا هو في بلاد أخرى وتحت سماء مختلفة يحتسي قهوته مع آخرين في انتظار موعد طائرة أخرى، طائر حقيقي يسخر من الطيور كما تقول أمي. اعتدت أن أكون معها دائماً لا نفترق على الرغم من تقادم الزمن، لذلك فعندما تسافر أمي لوحدها من دون أن أكون معها، أشعر كما يشعر الأطفال، أشعر أني وحيدة على الرغم من كثرة الناس والأصحاب، وأن الدنيا تضيق على اتساعها، وأتذكر ذلك القول الذي قرأته ذات يوم بأن الإنسان يبقى طفلاً مهما كبر في العمر.. حتى تُغادره والدته، وحدها الأم تبقينا على صلة بعالم طفولتنا وتنادينا كأطفال صغار. عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com