صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لغتنا.. ركيزة هويتنا

اللغة كائن حي ينمو ويتطور مع نمو كريات الدم في الجسد البشري، وقتل اللغة ودفنها في قبور اللغات الأخرى هو إعلان وفاة سريرية للهوية الوطنية.. وحضارات الشعوب ومنجزاتها الإنسانية لا تحفظ إلا بوعاء اللغة التي تصونها من الاندثار والتبعثر وتنقلها عبر سفينة التاريخ إلى أزمنة متلاحقة. ولغتنا العربية لغة الإنسان الذي لوّن معالم الحياة بمفردات تماهت وأشكال النجوم ودورة الكواكب ونصوع القمر ويفوع الشمس، وإذا كانت هذه اللغة قد حيد دورها في مرحلة من الزمن لأسباب بعضها واهية وبعضها عدائية الهدف منها الاستعلاء على القيم وتجاهل كبرياء اللغة الأم، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع الجهات وفي أول الصفوف وزارة التربية والتعليم أن تنظر إلى اللغة العربية باعتبارها المسار الطبيعي للتطور الفسيولوجي للعقل وما ينتج عنه من إبداعات والتي ينبغي أن تكون من نتاج البيئة والزمن.. فاليوم نلاحظ بأسف أجيالاً تتلاحق “ترطن” بعبارات لا علاقة لها باللغة، بل إن التباهي يبدأ من اختزال الكون بأكمله بمفردات غريبة اللسان والمكان ولغة تجاهر بالعصيان ضد اللغة العربية، بل إن الجيل الجديد اعتبر اللغة العربية شيئاً من الماضي، ولأن الماضي موشوم بالهزائم فإن اللغة سيقت بالعصا خلف هذا الزمن المنقضي.
وزارة التربية والتعليم مطالبة اليوم أن تجلي هذا الصدأ وأن تستعيد للغة العربية كرامتها ومكانتها وأن تربي الجيل على مفهوم اللغة العربية وأن تنشئ طلابها على ارتباط الهوية الوطنية باللغة وضياع اللغة يعني ذوبان الهوية في بحور من الألوان الباهتة والمؤذية.
كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي يلامس صميم القضية ويضع الإصبع على الجرح، الذي طالما نزف بعد أن عزف عنه الآخرون واختاروا القطيعة كوسيلة للتطور المزعوم. وتأكيد سموه أن اللغة ركيزة أساسية للهوية تضع المسؤولين عن التعليم وعن التربية أمام التزاماتهم الأخلاقية تجاه الوطن وتجاه الناس الذين نبتت في أذهانهم قيم اللغة العربية، وما تتضمنه هذه اللغة من معان جليلة لا تحتاج إلى تخمين.
هويتنا العربية التي يمارس ضدها التجريف والتحريف تحتاج كثيراً إلى التطبيق المنهجي للغة العربية في مناهجنا وفي معاملاتنا التجارية والخدمية، ولا يوجد أي مبرر يمنح الحق لأحد بأن يسوف هذا النسق الاجتماعي ويحيله إلى مغالطات تؤدي في النهاية القضاء على اللغة ومن ثم احتجاز الهوية الوطنية في غرف مغلقة خالية من أوكسجين التنفس. لا أحد يحق له أن يمارس هذا الجفاف العاطفي مع لغة هي أصل وجودنا وهي الجذر والفرع والناموس والقاموس لحياتنا.

marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء