في تونس الخضراء، شيء من الشعواء وآخر من العشواء، بدأ يجر ذيوله إلى النسيج الاجتماعي، رغم أن هذا البلد هو الوحيد من بين بلدان الثورات العربية قد نجا من خفايا ورزايا الارتباكة الأولى، إلا أن هناك شيئاً ما يتحرك في هذا الوعاء، وأن شيئاً ما تحركه نوايا غير بريئة. ولا أعتقد أن إحراق المصاحف، أو الإساءة إلى المساجد كما حصل في بلدة بن قردان جنوب تونس، يأتي سهواً، وإنما هو ضمن هدف ونتف من بقايا أدران وأحزان وأوزان ثقيلة أرهقت كاهل بعض المجموعات التي لا يريحها أبداً أن يستقر بلد عربي ويعيش أناسه في أمن وأمان وحب واطمئنان. احترام الأديان السماوية جميعها بدون استثناء هو احترام لمشاعر الناس، وتقدير لتفكيرهم، ومن يفعل غير ذلك فإنه لا يريد السلام، ولا الوئام، بل إنه يكن مشاعر عدوانية تجاه الوطن الذي يعيش فيه، وتجاه الناس الذين يشاركونه الأرض والسماء. التعصب الأعمى والعودة إلى الجاهلية الأولى لا يقودان إلى مجتمع متحضر، وبلد يريد أن يطور نفسه من خلال الحرية التي انتزعها من قوي جبار، ولكن عندما تصبح الحرية إسفافاً، والديمقراطية استخفافاً، فإنه لا بد من قانون يحدد مستوى هذا العبث يضع الجميع في تساوٍ أمام سلطته العادلة. بعض المشعوذين أرادوا استغلال الحرية لتصير ماءً منساباً على سطح انسيابي ما يجعلهم يسيحون ويتزحلقون وينفذون فوضاهم كيفما شاؤوا ليجعلوا الأوطان مسارح للاختناقات الاجتماعية والصراعات الأزلية التي لا تخضع لأي رادع أو وازع. بعض المهرولين باتجاه العربدة لا يريدون أن تعيش الأوطان إلا ضمن أزمات متلاحقة ما يجعلها غير قادرة على ملاحقة العصر، بل يرغمها دوماً لتعيش تحت سطوة التخلف والتناحر، والتنافر، والالتفاف في أكفان السكون الأبدي. هذه نظرية الفاقدين لمعاني الحياة، الخاسرين أدلة الجمال، القابضين على أسلاك كهربائية مسلوخة عن جلدها، حامية الوطيس، حارقة مدمرة. ولكن تونس بجمال أهلها وما اعشوشب من خضرة في أذهانهم اليانعة يستطيعون أن يتجاوزوا هذه المرحلة، وبإمكانهم أن ينتصروا على أعداء الظلام وأبناء الضيم. التونسيون قادرون على ذلك، لو أرادوا ولو طوقوا الأعناق بأمجاد أبي القاسم الشابي وشعره التليد.. التونسيون قادرون أن يقولوا لأعداء تونس إن الشعب إذا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بد للقيد أن ينكسر، وتستعيد تونس بريقها كدولة مجاورة لآخرين، قريبة من ثقافتهم ونفحاتهم وصولاتهم في مجابهة قهر المتزمتين والرامين الصورة إلى الوراء، والوقوف عند نقطة التجمد.


marafea@emi.ae