التطورات التي يشهدها الاقتصاد الأوروبي وانعكاسات تلك التطورات على العملة الموحدة “اليورو” خلال الأشهر القليلة الماضية، من شأنها أن تسلط الضوء على الكثير من النقاط في فلسفة العملة الموحدة التي اتبعتها دول القارة الأوروبية، ورأت في فترة من الفترات أنها الخيار الأفضل لأنشطتها الاقتصادية، بحيث تكون تحت مظلة نقدية واحدة. حال اليورو كان مبهجاً للدول التي انضمت تحت لوائه، فقد استمر سعر صرفه في الارتفاع أمام المنافسين خصوصاً الدولار الأميركي، وواصل تحقيق مكاسبه لعدة سنوات، وهو أمر أسهم في ترسيخ فكرة العملة الموحدة والتكتلات الاقتصادية التي أصبحت محل نقاش الكثير من المؤتمرات والملتقيات الدولية المهمة. لكن ما حدث خلال الأشهر القليلة الماضية قد يدفع الكثير من الاقتصاديين لإعادة النظر في فكرة الوحدة النقدية من جذورها، فبمجرد أن ظهرت مشكلة ديون اليونان وهي أحد الأعضاء في مشروع الوحدة النقدية، بدأ اليورو في التراجع ليفقد الكثير من مكاسبه التي حققها في أوقات سابقة، وانشقت القارة الأوروبية بين مؤيد لضرورة تدخل مجموعة الاتحاد الأوروبي لإنقاذ اليونان، وبين فريق آخر لا يرى ضرورة للتدخل الجماعي. ما يحدث اليوم في الاقتصاد الأوروبي، يؤكد صحة وسلامة قرار دولة الإمارات، بالانسحاب من مشروع الوحدة النقدية الخليجية، وظهرت اليوم الكثير من الأصوات التي تنادي بأهمية التأني قبل إطلاق هذا المشروع المحوري في اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، وضرورة الاستفادة من التجربة الأوروبية، والعمل على تجنب السلبيات التي ظهرت أو التي قد تظهر خلال الفترة المقبلة. المشروع الخليجي للوحدة النقدية، وكما هي الحال بالنسبة للمشروع الأوروبي، بحاجة إلى آليات محددة تتيح التحكم في فروق المؤشرات الاقتصادية بين الدول الأعضاء، وهو أمر كانت الإمارات تطالب بتطبيقه قبل إطلاق العملة، أما الدول الأوروبية فهي تعمل اليوم جاهدة لصياغة مثل هذه الآليات بعد أن تذوقت مرارة عدم وجودها. وبعيداً عن هذا الموضوع، فما يهم الكثير من المستهلكين بالدولة، هو أن ينعكس انخفاض اليورو على السلع والمنتجات الأوروبية بالدولة، وهم ينتظرون أن تنخفض أسعار السيارات الأوروبية “بالدرهم” خلال الأشهر المقبلة، بعد أن سجلت أسعاراً خيالية في سنوات ماضية، ليصبح تراجع العملة الأوروبية الموحدة “نعمة” بالنسبة لمحبي تلك السيارات. أما الأوروبيون، فعليهم مراجعة الكثير من تفاصيل سياستهم النقدية، ومن يدري فقد يأتي يوم تظهر فيه دعوات لإعادة اليونان إلى عملتها السابقة “دراخما”، والتي يقال إنها كانت الأصل اللغوي الذي اشتقت منه كلمة “درهم” في التاريخ الاقتصادي القديم. hussain.alhamadi@admedia.ae