كنت قد أعددت لنشر هذا المقال قبل صدور فتوى الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية الشقيقة بتحريم بث ومشاهدة مسلسل''نور'' التركي الذي دبلج للهجة السورية، وأصابت حمى المسلسل الأسر في مختلف البلدان العربية· وهي فتوى لرجل راسخ في العلم لا أستطيع أن أزيد أو انقص فيما لا علم لي به· إلا إنني شرعت في الكتابة عن المسلسل بمناسبة مبادرة قسم تنمية واستثمار الموارد البشرية في محاكم دبي بتنظيم محاضرة تحت عنوان ''ساعة مع نور ومهند'' وهما بطلا المسلسل الشهير· وقد كانت ضمن برنامج التدريب الصيفي لمحاكم دبي· وألقتها الموجهة الأسرية وداد لوتاه· ارتكزت هذه المحاضرة على تأثير مثل هذه المسلسلات على النشء والعائلة، والتأكيد على دور الأسرة في تربية الأبناء في زمن صعب اقتحمت فيه الفضائيات والإنترنت كل بيت· وما أثار الأمر أيضا نقاش جرى أمامي عند زيارتي لصديق، فقد سأله ابنه الذي لم يتعدى الثانية عشرة من العمر عن تصرفات بطل المسلسل، وهو الذي يفترض أن يكون في بلد مسلم، لا تقر عقيدته تلك التصرفات· فما كان من راعي الدار إلا أن أخذ بملاحظات الصبي وفندها له بكل رحابة صدر أكبرتها فيه· واعتقد إن مثل هذا الأسلوب هو الأجدر في التعامل مع ما يراه الأبناء عبر الفضائيات والإنترنت، فالانفتاح بين الآباء والأبناء ضروري جدا لتحصين الصغار مما يتعرضون له من مشاهد وما تتضمنه من رسائل سلبية للغاية شئنا أم أبينا؟!· وننتقل إلى هذا الهوس الذي أصاب القوم في بلداننا العربية، وعلى الأخص النساء والمراهقات وتسبب في وقوع حالات طلاق نتيجة اتهام زوجات لرجالهن بالافتقاد إلى ''الرومانسية'' في الحياة الزوجية، ومنهن من قلن إن بعولهن ليسوا أبوسامة مهند، ونسين إنهن ربما كن لسن ''نور'' أو غيرها من بطلات المسلسل· ويتجاهل الجميع حقيقة الخواء داخل كثير من الأسر وهشاشة أوضاعها بحيث يعصف بها عمل درامي أقل ما يمكن القول عنه أنه هابط· رغم ان من أبسط قواعد بناء الأسرة السعيدة قد حثنا عليها ديننا الحنيف وهو يدعونا لجعل المودة والرحمة أساس العلاقة يسكن فيها كل طرف للطرف الآخر· كما أصبح هوس بسطاء الناس بالعمل مادة للترويج السياحي لتركيا، وغدا القصر الذي دارت فيه أحداث المسلسل من معالم الجذب السياحي لتلك البلاد، وهم يعتقدون أنهم سيشاهدون أبطاله هناك في انتظارهم، بحيث انطبق عليهم القول الشائع ''رزق الهبل على المجانين''· إن الذين اختاروا دبلجة العمل هم أنفسهم الذين أطلقوا علينا من قبل سيل المسلسلات المكسيكية المدبلجة ذات الحلقات الممطوطة التي تتجاوز أحايين كثيرة المئتي حلقة· وعندما كسدت تجارتهم بعد أن اكتشف الناس درجة البذاءة والإسفاف فيها وأداروا ظهورهم لها، قرروا ''الحبايب'' أن يقدموا لنا أعمالا على شاكلة'' نور'' ، ورغم أنها من بيئات ليست ببعيدة عنا، فهي شرقية ومن بلد يظل الدين الإسلامي السائد فيه، إلا أنها لا تختلف إسفافا وهبوطا عن الأولى· نحمد الله حمدا كثيرا على نور الإسلام الذي ينير قلوبنا وعقولنا· وتحصين عقول أبنائنا من مثالب هذا الزمان وفضائياته الرديئة لا يتم بالمنع والحجب، قدر ما يتطلب استخدام الوعي والمنطق والإقناع، وحتى لا نجعل من'' كل ممنوع مرغوب''!!·