من ذاكرة الأيام أحلام كالمطر، نستقيها برائحة العبير، نراها بلون المروج، نسطفيها من بلور الحياة المتجددة فينا كالعنفوان، بذلك الإيمان الواثق بأهمية روح المثاقفة المنتمية للمكان والزمان، وبانتهاء شهر اتصف بالحب والحميمية، شهر رمضان الكريم، انتهت أماسي ذات خاصية، أقامها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، ولربما أثارت منطلقا آخر مختلفا بين «رتم» الحياة الثقافية النابض ببطء، فما تبقى منها أمسية احتفائية لذكرى الشاعر المرحوم صقر القاسمي، وكما وعدت الشاعرة ميسون صقر بأن الأمسية ستتزامن مع إصدار يؤرخ للشاعر ولمكانته الأدبية! فكانت سلسلة من الأماسي المهمة، كونها نجحت في استحضار الماضي الجميل، فالراحلون من الأدباء والكتاب والفنانين كانوا إلى زمن قصير جزءا من المكان وجزءا من الفعل الثقافي المؤثر، ولا زالوا بما تركوه من إرث قيم وأثر جميل، فكان ينقصه ذلك الزخم من الاهتمام! فلا شك بأن الإرث الثقافي بمجمله يؤطر لفترة مهمة من حياة دولتنا الجميلة، بينما يشعر المنتمي للثقافة بأن هناك جوانب ثقافية أخرى أيضا مفقودة، وما أشار إليه اتحاد الكتاب هو جانب مضيء منها، بينما هناك جوانب تنتظر المسعى الحقيقي الذي من شأنه أن يظهرها إلى الوجود. فما أحوج وزارة الثقافة أن تستقي من الأفكار المهمة وان تؤثر على نفسها العمل مع المؤسسات الثقافية، فهذه مثلا فكرة قابلة أن تتضافر مع اتحاد كتاب الإمارات من أجل إخراجها إلى حيز أجمل.. بل هناك مصنفات فكرية وثقافية تغيب.. فما أحوج أن نخط أسماء الراحلين من فنانيين وكتاب على مسارح ومساحات ثقافية أصلا بحاجة إلى تحديد معالمها! هذه الأماسي أعادت إلى الأذهان أسماء كانت لامعة، كالشاعر سلطان العويس والكاتب غانم غباش والفنان محمد الجناحي، والأديب جمعة الفيروز، ولم ينتصر الوقت للبعض الآخر، وبدأت الندوة بشفافية تنتقي من سير جسدتها أعمالهم الأدبية وكأنها ترجمة للهم الثقافي الذي يقتات منه المثقف، فالحياة المريرة والمعاناة الأليمة قدر المبدع أينما كان، ولربما أضاءت الجلسات سير غامضة وجوانب حياتية مهمة أفردها المتحدثون في الندوة مما أثار شغف الرواد والحضور من كتاب وأدباء! ولربما للوهلة الأولى أن ينكشف الغطاء عن بعض تلك السير الثقافية من أمثال علي العندل وعبدالله مفتاح، حيث جددت الأماسي خاصيتهم المجتمعية المفقودة، خصوصا أنه لم يدوّن عنهم الكثير! من هنا المغزى الكبير الذي أخذته الندوات، حيث انشغل الباحثون في تجسيد وتوثيق تلك السير المضيئة مما جعل للندوات نكهة خاصة!! ويخيل لي بأن الاهتمام بهذه الكوكبة الرائعة أو غيرهم من الراحلين من أدباء وكتاب لابد أن يأخذ معنى الحرص من قبل الهيئات الثقافية ولا بد من عمل مسح شامل، وقبل فوات الأوان! وقبل اندثار مكوناتهم القيمة كما اندثرت مقتنيات كثيرة من عمر الوطن وتبعها استعانة بخبراء عالميين من أجل استنباط الماضي، بينما كل الخيوط المعلوماتية متوفرة بفعل بعض الأسماء المعاصرة وبفعل عامل الزمن والوقت!