صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«توطين» بالإنجليزي!!

تابعت خلال الأيام القليلة الماضية حملة ترويجية واسعة قام بها أحد المجالس المعنية بالتوطين، وكان أغلب تلك الحملة في وسائل إعلامية بالإنجليزية، واستوقفني الأمر تماما، خاصة حول المستهدف من هذه الإعلانات، وإذ بي أسمع تفسيرا من بعض القائمين عليه، بأنه للتعريف بوجود كوادر مواطنة بهذه المؤهلات التي يشير إليها الإعلان بالإنجليزية، وذلك لتذكير الجهات التي يوجد بها غير ناطقين بالعربية بالأمر، في تعريف مهذب عن “الأجانب”. وهو تفسير اجتهادي أيضا يشير إلى مكمن خلل آخر حول وجود أمثال هؤلاء في مواقع اتخاذ القرار الخاص بموارد بشرية، يضطر معها “المواطن” للتعريف بقدراته وإمكانياته بلغتهم، بدلا من أن يكون العكس. وعندما اتصلت بتلك الجهة المعنية وجدت أن غالبية من يفترض أن أتعامل معهم، هم من “غير الناطقين باللغة العربية”، الأمر الذي يولد لدى أي مراجع لها الكثير من الاحتمالات المتعلقة بقدرتها على النجاح فيما أوكل إليها، إذا كان العاملون فيها لا يمتون بصلة للبيئة التي يعملون من أجلها، وهي تنسحب أيضا على العديد من الجهات التي تنادي بالاستعانة بالكوادر المحلية المواطنة في القطاع الخاص، بينما هي تعج بغيرهم، حتى في مواقع ووظائف عادية لا تحتاج إلى قدرات أو خبرات خارقة بعد مرور 38 عاما على تأسيس الدولة. وهذا الأمر واضح وملموس في وزارات ودوائر عدة، وحتى في مجالس قامت أساسا لعلاج الخلل وتبنت خططا وبرامج لذلك. وهو الأمر الذي يرسخ قناعة لدى المراقب بعدم جدية المتابعة لهذا الشأن، في وقت يعد فيه توظيف الموارد البشرية وحسن الاستفادة منها واحدة من أكبر التحديات التي تواجه ليس الدولة فحسب وإنما مجتمعاتنا الخليجية على وجه التحديد. وهنا يحلو للكثيرين الإشارة إلى التجربة السنغافورية في مجال التنمية والموارد البشرية، خاصة مع تشابه الظروف في جوانب عدة بين التجربتين، ولهؤلاء تحديدا نقول إن هذه التجربة الناجحة بالفعل اعتمدت على حسن توظيف العنصر المحلي وفق خطط وبرامج سارت جنبا إلى جنب مع خطط التعليم النوعي، واكبه تمكين هذا العنصر من خوض العمل، في وقت نعاني فيه نحن من هدر لطاقات هذا العنصر الذي ندفع به في أتون برامج متلاحقة من التأهيل بعد التعليم الجامعي، وعندما يحين موعد الاستفادة منه، تجده في قوائم التقاعد المبكر. والجهات المعنية بتنمية الموارد البشرية بإمكانها تقديم أرقام محددة لمقدار ما يصرف على هذا الجانب التأهيلي. في كتابه “من العالم الثالث إلى العالم الأول” يفرد مؤسس سنغافورة “لي كوان يو” مساحات للتعليم وبناء الانسان الذي احتاجت إليه بلاده حتى وصلت الى ما وصلت إليه اليوم، وأشار الرجل إلى موضوع تعزيز ثقة ذلك الإنسان بنفسه لينطلق نحو العمل المتميز الذي يرتقي به وبمجتمعه قبل التفكير في التوسع في استقدام الآخرين، مهما كانت مهاراتهم وقدراتهم. الرجل الذي ترك دولة في غاية الثراء وتفرغ لإلقاء المحاضرات عن تجربته، قال في محاضرة أخيرة له” لا تهم اللغة التي تتقنها، بل الكفاءة التي تتمتع بها”، والأخيرة لا تتحقق إلا بتأهيل الانسان وتعزيز ثقته بنفسه وإتاحة الفرصة له لإظهار كفاءته.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء