هناك على هامش قاموسي الخاص الذي ألفت كل كلماته وجعلتها سرية، سأدون طلاسمي الصغيرة، لعلها تجد في عصر ما، فارساً يفكها ويطلقني من سحر الشريرة؛ وقتها سأطير عالياً حيث يسطع القمر في مداراته، لأنه سيتخذ مني قلادة يتباهى بها في ليالي اكتماله؛ وفي أسوأ الأحوال سيجعلني قرطاً له، يُغني العشاق عن قناديلهم.

كنت أعرف دوماً أنك سترحل، وأن يوماً قريباً سيأتي لن تشاركني رائحة القهوة وقطع السكر، لن تشاركني الضحك على النادل الذي يصر دوماً على سؤالنا عما سنشرب، فيما لا يصنع هو شيئاً غير القهوة؛ انتظرت رحيلك على أحر من الجمر، كنت أحسب الأيام التي غادرتنا لأعرف المتبقي لك، على أمل أن ترحل سريعاً بأقل الخسائر الممكنة، لأني قررت أن أودعك وقد اخترت وشاحاً بألوان الحياة يليق برحيلك، وابتعت أساور لامعة ستتراقص عندما ألوح لك بيدي تدغدغ كل أحزان الكون، لأني سعيدة ومكتفية بكل الأشياء التي علقتها على جدران ذاكرتي.

ولكن ما لم أعرفه، وما زلت حائرة في شأنه، ما اكتشفته بعد رحيلك! فهل تعمدت ترك كل تلك التفاصيل حولي، لأظل أجترك في مخيلتي؟ هل تركت قصاصاتك الورقية خلفك موقعة بتواريخ مختلفة، وأماكن مختلفة لتصنع لنفسك حياة في حياتي بعدك؟ ولتذكرني بخطك الذي لم اقتنع يوماً بجماله، ليظل يذكرني دوماً بأن الأشياء الناقصة أكثر جمالاً؟ هل تركت زجاجات عطرك في حوزتي لأتذكر في غيابك رائحة حضورك؟! اعتقدت دوماً أني كنت أعلم، ولكني تأكدت الآن أني.. “لم أكن أعلم”.

وحده الحزن، دائماً ما يكون هناك فائض منه، لا يحتاج الأمر الكثير من الوقت لكي تستنهضه من مكانه، في شاشات التلفزيون وفي المطارات والمستشفيات، وفي نفوسنا التي مهما بدت سعيدة ضاحكة، تظل هناك نقاط حساسة تستنهضه بسرعة؛ إنها نقاط لا تعطب، بل على العكس، تزداد قوة مع الزمن.
يقول البعض إن الحزن في مقتبل العمر يكون سائحاً، ومع تقدم العمر يبني قصوره ويحصل على شرعية أبدية؛ قلة من ترفض هذا الاستعمار وتعلن ثورتها الخاصة على كل بٌنى الحزن في داخلها فتقتلعها وتزرع مكانها براعم للأمل التي تسقيها بأفراح كانت، وأخرى على أمل أن تأتي.


Als_almenhaly@admedia.ae