صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عالم رمادي

إبرتها الصغيرة لم تسعفها.. الثقب ضيق رغم أن الذهب يحيط بالثقب.. إطار ذهبي، مجرد إطار ليس له قدرة أن يوسع الثقب. وسواء كان ذهبياً أم فضياً أم كان من الماس الثمين. هكذا فكرت، وراحت تحاول إدخال الخيط في الثقب الضيق، لكن الخيط لم يمر. فتشت في الأدراج القديمة.. بين ركام الأشياء الصغيرة التي تتجمع مثل القطرات.. مثل بصمات السنين على لوحة الجسد. فتشت فلم تجد إبرة ذات ثقب أوسع من ثقب إبرتها الصغيرة. فتشت في الأدراج الجديدة التي لم تمتلئ بعد بالبقايا والنسيان فوجدت الإبرة ذاتها بثقبها الضيق وإطارها الذهبي. تسرب اليأس والتعب إلى أصابعها. فكرت: لا فائدة.الثقوب تظل ثقوباً، وتظل ضيقة! ربما العيب في الخيط.. ربما في ثقل السنوات.. ربما في اغتباش البصر.. ربما.. وعادت تبل الخيط بطرف لسانها وتبرمه بين السبابة والإبهام وتصوبه نحو ثقب الإبرة الضيق لكن الخيط يطيش عن مرماه! مسحة من اليأس تمر على روحها فترتعش الأصابع والخيط والإبرة.. تهدأ قليلا ثم تحاول من جديد، فلا يدخل الخيط في الإبرة.. فجأة تهب في غضب وتلقي بالإبرة والخيط والقماش الذي تكوم في حضنها، على طاولة الخياطة. وفي ثورة الغضب لاحظت أن القماش ذو لون رمادي والخيط أخضر! تلفتت حولها فرأت أن لون الطاولة رمادي أيضا والخزائن والمكتب وحوامل الكتب وطاولة الحاسب والتلفون ومقاعد الحديقة وسيراميك الحمام، والسجاد الذي يغطي أرض الغرف، وملابس زوجها وأطر الأبواب والنوافذ والمكيف، ولون الجدران! في ذهول المكتشف اتجهت إلى النافذة، ومن وراء الزجاج كان لون المآرب رماديا والسيارة والباب الخارجي.. وحين صعدت بصرها رأت السماء رمادية والأفق وامتداد البصر! تعجبت! كيف خطر لها أن تختار اللون الرمادي لمحيط حياتها؟ هي التي تعشق الأخضر وألوان الطيف؟ وفيما هي تبحث عن الأسباب لاحت لها بيوت صديقاتها وأقربائها والسلع في المتاجر.. كل شيء رمادي، رمادي! يا الله.. كيف صرنا رماديين هكذا، نختار اللون الرمادي، نعجب به، ونرتاح إليه؟ هل صارت أذواقنا رمادية، أم رؤانا، أم عصرنا كله؟ وفيما هي مستغرقة في التحليل والتأويل لمحت قطعة القماش على الطاولة والخيط والإبرة، فلاحظت أن الخيط أخضر، دهشت.. كيف فكرت أن تخيط الرمادي بالأخضر؟ صمتت برهة، ثم علقت بسخرية: ترى ألهذا السبب لم يدخل الخيط في الإبرة؟! ضحكت لهذا التأويل الذي بدا لها ساذجاً وغير منطقي.. ما علاقة لون الخيط بلون القماش؟ أليس من طبائع الحياة الأضداد؟ أليس جميلا أن نطرز الرمادي، هذا اللون البارد، الساكن، المحايد بالأخضر البهي، اليافع أبداً، الكامن في نسغ الحياة والتجدد؟ أشرقت.. تبدد الغضب في موجة من الاسترخاء الشفيف العذب، وراحت تتخيل القماش الرمادي يتخلله بهاء الأخضر ويلوح من وراء الخياطة الخفية. ثم راحت تبتكر في خيالها غرزاً بارزة جميلة. بأصابع مرهفة بالغة الحساسية والخبرة تناولت الخيط والإبرة. أمسكت بطرف الخيط وبرمته بين السبابة والإبهام، وأمسكت بالإبرة بثبات وتصميم، رفعت كل من الخيط والإبرة في مجرى الضوء وبتأني الواثق أدخلت الخيط الأخضر في ثقب الإبرة، وراحت تغرس الأخضر في الرقعة الرمادية! حمدة خميس hamdahkhamis@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

ريشة حائرة

قبل 17 ساعة

أنوثة الشجرة

قبل أسبوع

البلبل الجميل

قبل أسبوعين

الهدايا

قبل 3 أسابيع

مناجاة الروح

قبل 3 أسابيع

هجس الروح

قبل شهر

من ثقب الباب

قبل شهرين

فتنة أوراق العشب

قبل شهرين
كتاب وآراء